الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١١٧ - الحركة العلمية في الأزهر
و ظنوا أنه لا مطمع لهم في الاجتهاد، فأقفلوا أبوابه و رضوا بالتقليد و عكفوا على كتب لا يوجد فيها روح العلم، و ابتعدوا عن الناس، فجهلوا الحياة و جهلهم الناس، و جهلوا طرق التفكير الحديثة و طرق البحث الحديث، و ما جد في الحياة من علم، و ما جد فيها من مذاهب و آراء، فأعرض الناس عنهم، و نقموا هم على الناس، فلم يؤدوا الواجب الديني الذي خصصوا أنفسهم له.
و لما فترت همة المتأخرين من العلماء عن التأليف. عمدوا الى مصنفات السلف الصالح (رضوان اللّه عليهم) و شرحوها، ثم عمدوا إلى الشرح فشرحوها، و سموا ذلك حاشية، ثم عمدوا الى الحواشي فشرحوها و سموا ذلك تقريرا، فتحصل عندهم متن هو أصل المصنف، و شرح، و شرح شرح، و شرح شرح الشرح، و كانت النتيجة أن تطرق الإبهام الى المعاني الأصلية، و اضطربت المباحث، و اختلت التراكيب، و تعقدت العبارات، و اختفى مراد المصنف.
و ورث الأزهر من هذا التعقيد العناية بالمناقشة اللفظية، و تتبع كلمات المؤلفين في المصنفات و الشروح و الحواشي و التقارير، و تغلبت هذه العناية اللفظية على الروح العلمية الموضوعية، و صرفت الذهن عن الفكرة الأصلية الى ما يتصل بها من ألفاظ و عبارات.
و اتجه العلماء إلى الاشتغال بالفروض و الاحتمالات العقلية التي لا تقع و ما يتصل بها من أحكام، و على الأخص في العبادات و المعاملات، و بدأوا يصنفون الرسائل في هذه الفروض و الاحتمالات؛ و بذلك انصرفوا عن تنمية الفقه العملي الذي يحتاج إليه الناس في معاملاتهم.
و انصرف الأزهر في هذه الحقبة المظلمة عن دراسة العلوم الرياضية و العقلية، و وجد فيه من ينادي بتحريمها؛ و هكذا بدت بوادر الانحلال في الأزهر، و انقطعت صلته بماضيه الزاهر، و وقفت حركة التفكير العلمي،