الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١١٩ - الحركة العلمية في الأزهر
على أن الجامع الأزهر- كما يقول عنان- قام عندئذ بأعظم و أسمى مهمة أتيح له أن يقوم بها. فقد استطاع خلال المحنة الشاملة أن يستبقي شيئا من مكانته، و أن يؤثر بماضيه التالد و هيبته القديمة في نفوس الغزاة انفسهم، فنجد الفاتح التركي يتبرك بالصلاة فيه غير مرة [١]، و نجد الغزاة يبتعدون عن كل مساس به، و يحلونه مكانا خاصا، و يحاولون استغلال نفوذ علمائه كلما حدث اضطراب أو ثورة داخلية. و في خلال ذلك صار الأزهر ملاذا أخيرا لعلوم الدين و اللغة، و غدا بنوع خاص معقلا حصينا للغة العربية، يحتفظ في أروقته بكثير من قوتها و حيويتها، و يدرأ عنها عادية التدهور النهائي، و يمكنها من مغالبة لغة الفاتحين و مقاومتها، وردها عن التغلغل في المجتمع المصري [٢].
و هكذا استطاع الأزهر في تلك الأحقاب المظلمة أن يسدي إلى اللغة العربية أجل الخدمات. و إذا كانت مصر قد لبثت خلال العصر التركي ملاذا لطلاب العلوم الاسلامية و اللغة العربية من سائر أنحاء العالم
[١] راجع ابن إياس في بدائع الزهور ج ٣ ص ١١٦ و ١٣٢
[٢] كان بين الأساتذة الذين تولوا التدريس بالجامع الأزهر في أوائل العصر العثماني: نور الدين علي البحيري الشافعي المتوفي سنة ٩٤٤ ه، و العلامة شهاب الدين ابن عبد الحق السنباطي المتوفى سنة ٩٥٠ ه، و عبد الرحمن المناوي المتوفى سنة ٩٥٠ ه، و شمس الدين الشيشيني القاهري الشافعي، و الإمام شمس الدين أبو عبد اللّه العلقمي المتوفي سنة ٩٦٢ ه، و الإمام شمس الدين الصفدي المقدسي الشافعي المتوفي في حدود التسعين و تسعمائة (راجع في تراجم هؤلاء العلماء، الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة- مخطوط بدار الكتب).
و كان منهم في أواسط العصر العثماني: عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المالكي المتوفى سنة ١٠٩٩ ه، و العلامة شاهين بن منصور بن عامر الأرمناوي المتوفي سنة ١١٠١ ه، و العلامة شمس الدين محمد بن محمد الشهير بالشرنبابلي المتوفى سنة ١١٠٢ ه. و الإمام العلامة إبراهيم بن محمد شهاب الدين البرماوي المتوفى سنة ١١٠٦ ه و الشيخ حسن بن علي بن محمد الجبرتي جد والد الجبرتي المؤرخ، و قد توفي سنة ١١١٦، و العلامة عبد الحي بن عبد الحق الشرنبلالي المتوفى سنة ١١٧ ه (راجع في تراجم هؤلاء العلماء عجائب الآثار للجبرتي، الجزء الأول).