الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٧٥ - الشيخ محمّد مصطفى المراغي
السودان، ذلك المنصب الذي ساعده على تسلق الحواجز السياسية، و إعلاء شأن كلمة الدين و الحق بين الشمال و الجنوب، فتتلمذ عليه الكثيرون من أبناء الجنوب، بعد أن استساغوا لذة الوطنية الإسلامية من شروح الشيخ الجليل لقضايا الوطن بين خلصائه و صفوة تلاميذه في السودان، و كان يعني بذلك المسلك أن رجل الدين إنما هو من رجال السياسة يدلي بدلوه فيها دون انغماس، حتى يكون القائد إلى تحقيق الوطنية الإسلامية، وفقا لتعاليم الدين، لا انحيازا إلى المعتقدات السياسية.
لقد كان الشيخ المراغى- (رحمه اللّه)- يعرف رسالة رجل الدين تماما، و هي رسالة العالم الذي يعمل للحياة كلها، و للوطن الإسلامي كله، فلا يصدر رأيا إلا إذا كان الرأي لبنة في بناء هذا الوطن الكبير ..
و من ذلك، أن سلاطين باشا يوم أن عرض عليه قبول منصب قاضي قضاة السودان- قبل أن يتولى منصب رئيس المحكمة الشرعية العليا- اشترط لقبول المنصب أن يكون تعيينه فيه بأمر يصدره خديو مصر، لا رجال السلطة الإنجليزية في السودان.
و في عام ١٩٢٣ عين رئيسا للمحكمة العليا الشرعية، فواجه بمنصبه ذلك تلك الحوائل التي تمنى أن يقضي عليها بالمحاكم.
و كانت المحاكم الشرعية في ذلك الوقت تحكم في قضايا الزواج و الطلاق و سائر الأحوال الشخصية، وفق القول الراجح من مذهب أبي حنيفة.
و لما كانت هناك أحكام أخرى تحقق التيسير على المتقاضين، فقد رأى أن يؤخذ بهذه الأحكام، و أن يعدل قانون المحاكم الشرعية.
و كان من رأيه الأخذ برأي ابن تيمية و محمد بن قيم الجوزية في جعل الطلاق الثلاث في لفظ كلمة واحدة طلقة واحدة، و ما كاد يجهر بهذ