الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٩ - الفصل الثالث تأسيس الأزهر و بدء حياته الجامعيّة
جزع، و لبث يعوده و يرعاه، حتى توفي في الخامس من ذي الحجة، فحزن عليه حزنا شديدا، و أمر بتجهيزه تجهيز الأمراء و الملوك، و خرج من القصر إلى داره في موكب صامت محزن، و شهد تجهيزه و صلى عليه بنفسه، و وقف حتى تم دفنه و هو يبكي بدمع غزير و احتجب في داره ثلاثا لا يأكل على مائدته، و الحزن يشمل الخاصة و القصر كله، و أفاض الشعراء في رثاء الوزير الراحل و مديحه، فوصلهم العزيز جميعا، و على الجملة فقد سما ابن كلس في ظل الدولة الفاطمية إلى أرفع مكانة ..
و مهما كان فإن تلك الخطوة الأولى في ترتيب الأساتذة و الدروس بالأزهر بطريقة منظمة مستقرة، كان لها أثر كبير في تطور الغاية التي علقتها الخلافة الفاطمية بادىء ذي بدء على إنشاء الجامع الأزهر، فقد كانت هذه الغاية كما رأينا أن يكون المسجد الجامع الجديد رمز الخلافة الجديدة و منبرا لدعوتها [١].
ابتدأ الأزهر حياته العلمية المنظمة بخمسة و ثلاثين طالبا. و لم يشجع هؤلاء بما رأينا فحسب، بل كان هناك لون آخر من ألوان التشجيع، فيحدثنا المقريزي أن العزيز باللّه «خلع عليهم في يوم عيد فطر و حملهم على بغلات». و لم يكن الأزهر في ذلك العهد مقصورا على الرجال فحسب، بل كان للمرأة فيه نصيب فكن يفردن فيه بمجلس خاص [٢].
و هكذا آلت تلك الحركة العلمية الميمونة إلى الأزهر، و ازدهرت فيه و ترعرعت حتى تخرج فيه أئمة فضلاء، و شيوخ أجلاء، خدموا الإسلام و المسلمين بالتأليف تارة، و بالتدريس أخرى، حتى أصبح مفخرة العالم الإسلامي عامة، و مصر خاصة.
[١] راجع في هذا البحث و ما يتعلق به: خطط المقريزي (الطبعة الأهلية) ج ٤ ص ٤٩، ١٥٦، ١٥٧، ج ٣ ص ٧- ١٠، و ابن خلكان ج ٢ ص ٤٤١.
[٢] خطط المقريزي ج- ٢ ص ٢٢٦