الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٥٣ - مشاركة الأزهر في الحياة العقليّة في عصر الفاطميين
و لقد أصيبت الحياة العقلية في مصر الإسلامية بكثير من الاضطراب و الضعف في أواسط القرن الخامس الهجري كما يقول عنان، أي منذ اضطربت شؤون الخلافة الفاطمية في عهد المستنصر باللّه، و نكبت مصر بالشدة العظمى، و عانت عسف القحط و الوباء أعواما طويلة (٤٤٦- ٤٦٤ ه)، و شغل المجتمع المصري حينا بما توالى عليه من الأرزاء و المحن، و شغل الخلفاء و رجال الدولة بالتنازع على السلطان و تدبير الانقلابات السياسية العنيفة عن تعهد الحركة الفكرية، و قترت الدولة على معاهد التعليم لنضوب مواردها، و بددت خزائن الكتب أثناء الفتنة و كانت من أنفس و أعظم ما عرف العالم الإسلامي [١] .. و كان لهذا الاضطراب أثره في الأزهر و دار الحكمة فركدت حركة الدرس و التحصيل تبعا لركود الحياة العامة و اضطراب الحياة الخاصة. و في أواخر القرن الخامس في عصر أمير الجيوش بدر الجمالي المتغلب على الدولة (٤٦٥- ٤٨٧ ه) و ولده الأفضل شاهنشاه (٤٨٧- ٥١٥ ه) عاد النظام و الأمن و الرخاء الى البلاد، و انتظمت الحياة العامة، و استعادت الحياة الفكرية نشاطها بما أسبغ عليها من الرعاية، و ما بذل للإنفاق على معاهد الدرس من الأموال و الأرزاق.
و يقول عنان: كان نظام الحلقات العلمية وقت إنشاء الجامع الأزهر هو نظام الدراسة الممتازة في مصر الإسلامية و في معظم الأقطار الإسلامية الأخرى، و كان قوام الحياة الجامعية و الفكرية في العالم الاسلامي ..
و كان طبيعيا أن الأزهر حينما أتيح له أن يدخل هذا الميدان الدراسي، أن تقوم الدراسة فيه وفقا لهذا النظام التقليدي المتوارث. و لم يك ثمة نظام آخر يمكن التفكير فيه في عصر لم تكن قد عرفت فيه المدارس بعد ..
و هكذا بدأت الدراسة في الأزهر في حلقات علمية و أدبية؛ و استمرت كذلك على مر العصور. و عقدت أول حلقة للدرس بالأزهر في صفر
[١] الخطط ج ٢ ص ٣٥٤.