الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٥٠ - مشاركة الأزهر في الحياة العقليّة في عصر الفاطميين
كان يكتبها بعد إلقاء الدرس و تفهيمه على سبيل التسجيل و الحفظ، لنكت هامة لينتفع القارىء، كما استفاد السامع.
و هذه هي المحاضرة الأولى من محاضراته:
الحمد للّه الذي نظم بين الانسان و البهائم أن خلقهم من طين، ثم جعل نسلهما من ماء مهين، ثم اقتضت العناية الإلهية أن رمى في أخلاط الصورة الإنسانية من إكسير العقل بلغة أهل صنعة الكيمياء، ما عرج به أعلا المعارج من الفضل و العلياء، فصار ممن قال اللّه سبحانه فيه- و من أصدق منه قيلا- وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ* وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا، فاستنزل بتدبيره الطير من الهواء و استخلص الحدث من لج الماء، و استعبد أجناس الحيوان طيرا و بهائم و سباعا، فمنها ما انتفع بلحومها، و منها ما استمتع بجلودها و أصوافها و أوبارها استمتاعا، و جعل الفلك المحيط على عظم فضائه محصورا في سرادق فكره، بدل كون جسمه بالكون و الفساد محصورا في سرادق ملكته و أسره، فهذا منفوعه الذي نفعه اللّه به في الدار الأولى، ثم جعله سلما يرتقي به إلى دائم البقاء في الدار الأخرى. فلولا نور استبصاره بالعقل، لما كانت رسالة عن مرسل تقبل، و لا أمر عن مرسل يؤخذ و يتحمل، و لا نفس بمعرفة توحيد اللّه سبحانه ترتسم و تنير، و لا لسان بمعارف الآخرة بين اللهوات يدور. و صلى اللّه على محمد خير رسول، استنار بنور سراجه، و سار على واضح منهاجه، و على وصيه الذي عرج به من أفق المجد إلى أعلا معراجه، و على آله الداعين إلى عذب المشرب و فراته، الناهين عن ملحه و أجاجه.
معشر المؤمنين: جعلكم اللّه ممن استنارت بنور العقل قلوبهم، و تجافت عن مضاجع الجهل جنوبهم، إن قوما من الآخذين الدين بالعادات، و الجارين فيه على آثار الوالدين و الوالدات، زعموا أن شرائع الأنبياء (عليهم السلام) التي هي أسباب النجاة، و الطريق إلى دائم الحياة على غير العقل موضوعها. و في سوى موقعه وقوعها فلو أنهم أنعموا