شرح ابن عقيل علي الفيه ابن مالك - ابن عقيل - الصفحة ٤٣٨
و ذهب الكوفيون- و تبعهم أبو بكر الزبيدىّ و غيره- إلى جواز إلغاء المتقدم؛ فلا يحتاجون إلى تأويل البيتين.
و إنما قال المصنف: «و جوّز الإلغاء» لينبّه على أن الإلغاء ليس بلازم، بل هو جائز؛ فحيث جاز الإلغاء جاز الإعمال كما تقدّم، و هذا بخلاف التعليق [فإنه لازم، و لهذا قال: «و التزم التعليق»].
فيجب التعليق إذا وقع بعد الفعل «ما» النافية، نحو «ظننت ما زيد قائم».
أو «إن» النافية، نحو «علمت إن زيد قائم» و مثلوا له بقوله تعالى:
(وَ تَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا)، و قال بعضهم: ليس هذا من باب التعليق فى شىء؛ لأن شرط التعليق أنه إذا حذف المعلّق تسلّط العامل على ما بعده فينصب مفعولين، نحو «ظننت ما زيد قائم»؛ فلو حذفت «ما» لقلت:
«ظننت زيدا قائما» و الآية الكريمة لا يتأتّى فيها ذلك؛ لأنك لو حذفت لمعلّق- و هو «إن»- لم يتسلّط «تظنون» على «لبثتم»؛ إذ لا يقال:
و تظنون لبثتم، هكذا زعم هذا القائل، و لعله مخالف لما هو كالمجمع عليه- من أنه لا يشترط فى التعليق هذا الشرط الذى ذكره- و تمثيل النحويين للتعليق بالآية الكريمة و شبهها يشهد لذلك.
- الشاهد فيه: قوله «وجدت ملاك الشيمة الأدب» فإن ظاهره أنه ألغى «وجدت» مع تقدمه؛ لأنه لو أعمله لقال «وجدت ملاك الشيمة الأدبا» بنصب «ملاك» و «الأدب» على أنهما مفعولان؛ و لكنه رفعهما، فقال الكوفيون: هو من باب الإلغاء و الإلغاء جائز مع التقدم مثل جوازه مع التوسط و التأخر، و قال البصريون: ليس كذلك، بل هو إما من باب التعليق، و لام الابتداء مقدرة الدخول على «ملاك» و إما من باب الإعمال، و المفعول الأول ضمير شأن محذوف، و جملة المبتدأ و خبره فى محل نصب مفعول ثان؛ على ما بيناه فى إعراب البيت، و المنصف الذى يعرف مواطن الحق يدرك ما فى هذين التأويلين من التكلف.