التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٤ - الشورى الخبرة المتراكمة
(الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة ايام ثم استوى على العرش الرحمان فسئل به خبيرا). [١]
وهذا ايضا حكم الفطرة السليمة، واذا لم يكن كل ذلك فانه يعود الى العرف الذي قال عنه سبحانه:
(خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين) [٢] والعرف في حقيقته خلاصة عقول الناس وهو خبرة متراكمة، وهذا يتصل بحجية الشورى وللشورى اصلان:
ألف: تراكم الخبرة وتكثيف التجارب، لان الناس، هم معدن الحكمة التاريخية، ومرتكز التجارب المتواردة، من هنا جاء في الحديث: (من شاور الرجال شارء ها في عقولهم)
والشورى هي السبيل الطبيعي لاستنباط التجارب من معادنها، وبلورة الرؤى والنظريات من مراكزها، لماذا؟
اولا: لان الشورى تستحث الناس على التفكر، وتوقظ فيهم حس البحث، وتحرضهم على الحوار البناء لمعرفة الحقائق.
ومن دون ما يحرض الفكر يبقى التفكر صعبا للغاية، ويفضل اكثر الناس ان يجدوا من يفكر عنهم، ولايتجشموا عناء التفكير المستقل ولذلك ترى المجتمعات الديكتاتورية اكثر غباء من المجتمع الحر.
ثانيا: في المجتمع قنوات طبيعية تجتمع فيه شتات الفكر، وتصغى عن اكرارها، فالاسرة تلك الخلية الاولى في حياة المجتمع ثم العشيرة، ثم الصحبة بالجوار او بالجنب او في الشغل او في الدارسة، ثم التجمعات العلمية والسياسية والاقتصادية.
وهذه القنوات لو استغلت- عبر الشورى- لتجميع شتات الخبرة ثم تركيزها وايصالها الى دماغ المجتمع المتمثل في القيادة، كانت اعظم فائدة من كثير من مراكز البحث، التي هي حالة اصطناعية ذات تكاليف باهضة وفوائد غير مضمونة.
[١] - سورة الفرقان/ ٥٩
[٢] - سورة الاعراف/ ١٩٩