التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦ - المقدمة
وفي ظروف مشابهة، حيث تعرض المسلمون للهجمات الصليبية، ثم للإعصار التتري، انغلقوا على انفسهم وقاوموا اي تطور بل و جمدوا حركتهم الحضارية حفاظا على شخصيتهم.
فهل يمكنهم ان يفعلوا اليوم مثل ذلك، كما يحلو لبعضهم حيث يبالغ في تكريم السلف الى حد التقديس، ويتشبث بتقاليد الماضي الى حد الجمود؟ وهل يمكن ذلك في هذا العصر المجنون في تطوره، والعملاق في قوته التقنية والعلمية، والنافذ في اغراءه وارهابه؟
ولو فعلنا مثل ما فعل أباؤنا قبل سبعة قرون، فادخلوا العالم الاسلامي في نفق الجمود المظلم، افلانساهم في تقليص دور الامة الاسلامية العلمي ووقف نموه الحضاري مما يهدد وجودها بخطر عظيم.
كلا، ان علينا ان نختار نهجا وسطا: فنزداد تمسكا بالقيم الاصيلة، ونطور في اطارها ما يتصل بعوامل التغيير الحضارية.
الا ان تحقيق هذا الهدف ليس هينا، لاسباب ترجع الى عاملين رئيسيين.
الاول: حساسية الموضوع لانه يمس ما يعتقد البعض انه من المقدسات.
الثاني: تعقيد الموضوع، وارتباطه من جهة بالعصر، الحديث و فلسفة، واتصاله من جهة اخرى بالرسالات الالهية، وتراث الامة ومكوناتها.
وازداد هذا الموضوع تعقيدا بسبب معالجة من قبل غير ذوي الاختصاص، وهم الفقهاء وفلاسفة القانون.
و منذ عقدين من الزمان كانت تلازمني هذه الامنية، ان اوفق لمعرفة ثم تعريف الاسلام الحق. بعيدا عما لصقت به من تقاليد العصور السالفة، ومن افكار الفلسفة اليونانية و الهندية الغابرة. ومن افكار العصر وفلسفاته الدخيلة.
وقد وفقني الله سبحانه لدراسة الحكمة الاسلامية في كتاب اسميته ب-: الفكر الاسلامي مواجهة حضارية، ثم دراسة المنطق الاسلامي المقارن، الذي اسميته ب- (المنطق الاسلامي اصوله ومناهجه) وكانت دراستي الأخيرة فيما يتصل بهذا الموضوع حول العرفان حيث حاولت تمييز
المفاهيم الدخيلة على الاسلام من خلال بيان بصائر القرآن وكان عنوانها: (العرفان الاسلامي بين حقائق الوحي