التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٧ - ماهي القيم الحق؟
دعنا، نفرغ- ولو عبر لحظات- افئدتنا من المعاني التي نعرفها عن الايمان، وكاننا نسمع الى الكلمة الان .. او تدرون لماذا هذا الطلب الملح؟ لان الايمان كلمة قرآنية لاتعرف الا في جو الادب القرآني، والكلمة قد استخدمت ايضا في آدابنا الدارجة فرسبت بها معاني من واقعنا، الذي لايعكس كل ابعاد الواقع القراني. فتختلط عادة ظلال هذه المعاني بايحاءات الكلمة القرانية.
الايمان هو التسليم للحق. وفي البدء التسليم للحي القيوم الذي به قامت السماوات والارض. ثم التسليم لأسمائه الحسنى التي تتجلى في سننه في الخليقة وفي شرائعه وحدود احكامه [١]
والتسليم يعني سلسلة من المعاني:
الف: القبول والاعتراف بوجود الحقيقة .. اما انكارها والزعم بانها خرافة او وهم فانه يتنافى والايمان، مثلا: السوفسطائيون والمثاليون والشكاكون لايعتبرون مؤمنين، وكذلك الذين يشكون في حقيقة واحدة من الحقائق، مثلا: يشكون في النشور بعد الموت والحساب والجزاء، انهم يفقدون من ايمانهم بقدر شكهم ..
وكذلك الذين ينكرون بابا من ابواب الحقيقة كمن انكر الغيب، كما اوبعضا، او انكر العقل، او حدد دوره في اضيق نطاق، او انكر الارادة الحرة عند الانسان وزعم ان دورها محدود، وهكذا الذي انكر دور الحس، او نوعا معينا من الحس، كل اولئك يخرجون من اطار الايمان بقدر انكارهم لتلك الحقيقة ولذلك كان الذي ينكر رسالة واحد من الانبياء، او كتابا من كتبهم المنزلة، او جانبا من شريعتهم، كان كافرا بقدر تلك الحقيقة التي ينكرها.
باء: الاعتراف بما للحق من ابعاد وامتداداته. انك حين تؤمن بوجود شخص لابد ان تعترف بحقه في الحياة، وحقه في ان يشغل حيزا من الارض، وحقه في ان يتنفس وان يفكر وان ينطق و. و. كذلك الايمان بكل حقيقة، يستوجب الايمان بما لها من آفاق، أرأيت الذي يؤمن بالله ولكنه ينكر اسماءه الحسنى انه كافر بالله رأسا. فليس اله الذي لايسمع ولا يرى ولا يأخذ للضعيف حقه من القوى، ولا يجازي المحسن او المسئ، بل يجعلهما
[١] - في فصل مضى تحدثنا عن صلة هذه الحقائق ببعضها فراجع.