التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٤ - القيم الحق ضمانة الاستقرار
المتمادية، شكل خلفية قانونية استلهموا منه شرائعهم، وقاسوا بها انظمتهم، وبشروا بها في رسالتهم، وجعلوها محور مواقفهم.
فان الوصايا الالهية، والحكم القرانية، قامت بذات الدور واكثر عند المسلمين، حيث استلهموا منها شرائعهم، وحتى مناهج سلوكهم وجعلوها محور تحركهم.
ولان هذه القواعد والحكم، هي الاحكام العقلية التي تهدي اليها فطرة الانسان ووجدانه النقي، فانها تتسم بسمة الاستقرار والاطلاق، فلا تتأثر بالزمان والمكان.
وحينما تكون هذه القيم مكرسة في نفوس الامة، فانها تنفعهم في ابعاد شتى:
اولا: تحدد اتجاه الحركة عندهم في كل ابعاد حياتهم، وبالذات في البعد السلوكي والقانوني، اذ انها تلهمهم العرف العام. مما يصعب على أي احد مخالفته، كما تلهم مشرعيهم الانظمة والشرائع المناسبة، وحتى لو اخطأوا في تحديد الموضوعات وتطبيق القواعد عليها، فإن اخطاءهم لن تكون قاتلة. لان الاتجاه العام يبقى صحيحا، ارأيت الذي يملك بوصلة يهتدي بها عند سلوكه في الصحراء، ارايته ينحرف قليلًا عن طريقه ولكنه لن يضل ضلالا بعيدا.
ثانيا: لانها تصبح مرتكزات نفوسهم، فانها تسهل تنفيذ القوانين المشروعة، لانها تتوافق ووازع نفوسهم وفطرة عقولهم، كما وأعرافهم الاجتماعية، ومن المعروف: ان القانون المناسب للاعراف امثل قانون، اليس يسن التشريع حتى ينفذ.
ثالثا: انها تعطي القضاء هدى يتحركون به في تطبيقهم القوانين على الوقائع بما يتناسب وتلك القيم، فان القاضي الذي يعرف القيم يجتهد لتحقيقها في قضائه، ولا يتقيد بحروف القانون بل بروحه، لان حروف القانون قد تصبح عاجزة عن تحقيق روحه، لانه يصبح متخلفا عن الزمن او لان طرفا من اطراف الدعوى استطاع ان يحتال عليه بطريقة ذكية، او لان القضية مستجدة لايفي بها نص القانون او لما اشبه من نقاط الضعف المعروفة في النصوص، بينما عقل القاضي الذي جلاه وزكاه وذكاه الايمان بالقيم الحق، لا يبلى مع الزمن، ولا ينخدع بحيل المتهم.
من هنا فان القاضي الاسلامي يملك صلاحيات واسعة، وقد اوجب الفقهاء فيه صفة الاجتهاد- أي القدرة على استنباط الاحكام مباشرة من ينابيعها الصافية- فيحكم بها ولا يقتصر فقط على النصوص القانونية المحددة.