دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٠٠ - باب ما جاء في تقرير النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا بكر على آخر صلاة صلاها بالناس في حياته و إشارته إليهم بإتمامها خلفه و ارتضائه صنيعهم، و ذلك في صلاة الفجر من يوم الإثنين، و هو اليوم الذي توفي فيه، و قول من زعم أنه خرج، فصلّى منها ركعة خلف أبي بكر بعد ما أمره بالتقدم ثم صلّى لنفسه أخرى
(١) و خوص، ليس على السقف كثير [١٢] طين، إذا كان المطر امتلأ المسجد طينا، إنما هو كهيئة العريش.
و كان أسامة بن زيد قد تجهّز للغزو، و خرج في نقله إلى الجرف، فأقام تلك الأيام بشكوى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أمّره على جيش عامتهم المهاجرون، فيهم عمر بن الخطاب، و أمره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يغير على مؤتة، و على جانب فلسطين- حيث أصيب زيد بن حارثة، و جعفر بن أبي طالب، و عبد اللّه بن رواحة- فجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى ذلك الجذع، و اجتمع إليه المسلمون يسلمون عليه، و يدعون له بالعافية، و دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أسامة ابن زيد فقال: اغد على بركة اللّه، و النصر و العافية، ثم أغر حيث أمرتك أن تغير. قال أسامة: يا رسول اللّه قد أصبحت مفيقا، و أرجو أن يكون اللّه عز و جل قد عافاك، فائذن لي، فأمكث حتى يشفيك اللّه، فإني إن خرجت و أنت على هذه الحال، خرجت و في نفسي منك قرحة، و أكره أن أسأل عنك الناس، فسكت عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)،
و قام، فدخل بيت عائشة، و دخل أبو بكر على ابنته عائشة، فقال: قد أصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مفيقا، و أرجو أن يكون اللّه عز و جل قد شفاه، ثم ركب فلحق بأهله بالسّناح، و هنالك كانت امرأته حبيبة بنت خارجة بن أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج، و انقلبت كلّ امرأة من نساء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى بيتها. و ذلك يوم الاثنين، و وعك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين رجع أشد الوعك. و اجتمع اليه نساؤه، و أخذ بالموت، فلم يزل كذلك حتى زاغت الشمس من يوم الاثنين يغمى، زعموا عليه الساعة، ثم يفيق، ثم يشخص بصره إلى السماء، فيقول: في الرفيق الأعلى مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ، وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً قال ذلك- زعموا مرارا- كلما أفاق من غشيته، فظنّ النّسوة أن الملك خيّره في الدنيا، و يعطى
[١٢] في (أ) و (ح) «كبير».