دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٥٤ - باب ما جاء في تأليف القرآن
(١) لفظ حديث هوذة، و حديث روح قريب منه.
قلت: و يشبه أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنما لم يجمعه في مصحف و آخر، لأنه كان لا يأمن ورود النسخ على أحكامه و رسومه فلما ختم اللّه عز و جل دينه بوفاة نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كان قد وعد له حفظه بقوله عز و جل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [٢٤] وفّق خلفاءه لجمعه عند الحاجة إليه بين الدفتين و حفظه كما وعده، و الذي روي عن ابن مسعود في المعوّذتين إنما هو في إثبات رسمهما لا أنه خالف غيره في نزولهما.
و الذي روي عنه عن أبيّ بن كعب في اختلاف القراءة، فإنما هي القراءة
[ ()] الفارسي، و أنكر: يحيى بن سعيد القطان أن يكونا واحدا، فعن علي بن المديني، قال: ذكرت ليحيى قول عبد الرحمن بن مهدي فإن يزيد الفارسي، هو يزيد بن هرمز، فلم يعرفه.
قال أبو حاتم: سمعت أبي يقول: يزيد بن هرمز هذا، ليس بيزيد الفارسي، هو سواه، و كان يزيد ابن هرمز من أبناء الفرس الذين كانوا بالمدينة و جالسوا أبا هريرة، و ليس هو بيزيد الفارسي البصري الذي يروي عن ابن عباس، روى عنه عوف الأعرابي.
الى هذا الحد وقع الخلاف بين يزيد الفارسي، و يزيد بن هرمز. فإن كان يزيد الفارسي هو البصري، فهو مجهول، مختلف فيه. و ان كان هو يزيد بن هرمز، فقد ضعفه البخاري، و لم يخرج له في صحيحه، و كتبه في كتابه «الضعفاء الصغير» ترجمة رقم ٤٠٧ ص ١٢٢، و عليه فلا صحة لدعوى الحاكم ان الحديث على شرط الشيخين. فهذه الدعوى لا تقوم عليها الحجة، و لم يخرج ليزيد الفارسي هذا البخاري و لا مسلم في «صحيحيهما».
و حتى ابن حبان الذي صحح الحديث، كتب في ثقاته (٥: ٥٣١) يزيد بن هرمز المدني هو الذي يروي عنه عوف الأعرابي، و يقول: حدثنا يزيد الفارسي عن ابن عباس. فعدهما واحدا.
فهذا يزيد الفارسي و قد انفرد برواية الحديث، إما مجهول لا يعرفه يحيى بن معين، و يشتبه امره على عبد الرحمن بن مهدي، و احمد، و البخاري، فيعطي كل واحد منهم رأيا مختلفا فيه، و يثبته البخاري في الضعفاء بالاسمين: ابن هرمز، او الفارسي.
فضلا عن ذلك ففيه تشكيك في معرفة سور القرآن، الثابتة بالتواتر القطعي، و المشافهة الحية، قراءة، و سماعا، و كتابة، و فيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأنّ عثمان كان يثبتها برأيه، و ينفيها برأيه- و حاشاه من ذلك- رضي اللّه عنه.
[٢٤] الآية الكريمة (٩) من سورة الحجر.