دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٨٣ - باب ما جاء في همه بأن يكتب لأصحابه كتابا حين اشتد به الوجع يوم الخميس، ثم بدا له اعتمادا على ما وعده اللّه- تعالى- من حفظ دينه، و إظهار أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم)
(١)
أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن عليّ الصنعاني، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن ابن عباس، قال: لما حضر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم): هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقال عمر: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد غلب عليه الوجع و عندكم القرآن، حسبنا كتاب
[ ()] الشيء و لم يكن فعله. و لم يصدر منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في هذا الحال كلام في الأحكام مخالف لما سبق من الأحكام التي قررها. فإذا علمت ما ذكرناه فقد اختلف العلماء في الكتاب الذي همّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) به فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع فيه نزاع و فتن و قيل: أراد كتابا يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع فيها و يحصل الإنفاق على المنصوص عليه. و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) همّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة. أو أوحى إليه بذلك ثم ظهر أن المصلحة تركه. أو أوحى إليه بذلك و نسخ ذلك الأمر الأول. و أما كلام عمر رضي اللّه عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمرو فضائله و دقيق نظره. لأنه خشي أن يكتب (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمورا ربما عجزوا عنها و استحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها. فقال عمر: حسبنا كتاب اللّه، لقوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء، و قوله: اليوم أكملت لكم دينكم، فعلم أن اللّه تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة. و أراد الترفيه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكان عمر أفقه من ابن عباس و موافقيه.
قال الحطابي: و لا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال. لكنه لما رأى ما غلب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الوجع و قرب الوفاة، مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقول المريض مما لا عزيمة فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلا الى الكلام في الدين، و قد كان أصحابه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها.
بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، و في كتاب الصلح بينه و بين قريش فأما إذا أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم و قال القاضي عياض: قوله:
أهجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، هكذا هو في صحيح مسلم و غيره: أهجر؟ على الاستفهام و هو أصح من رواية من روى: هجر يهجر: لأن هذا كله لا يصح منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأن معنى هجر هذي. و إنما جاء هذا من قائله استفهاما للإنكار على من قال: لا تكتبوا أي لا تتركوا أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تجعلوه كأمر من هجر في كلامه لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا يهجر. و قول عمر رضي اللّه عنه: حسبنا كتاب اللّه، ردّ على من نازعه، لا على أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).