دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١١ - باب رؤية
(١)
[ ()] (و منهم) من ذهب إلى أن النفس التي تتوفى عند النوم هي الروح نفسها، و اختلف هؤلاء في توفيها (فمنهم) من يذهب الى ان معنى وفاة الروح بالنوم قبضها عن التصرفات مع بقائها في الجسد، و هذا موافق للأول من وجه و مخالف من وجه و هو قول بعض اهل النظر و من المعتزلة، (و منهم) من ذهب الى ان الروح تتوفى عند النوم بقبضها من الجسد و مفارقتها له، و هذا الذي نجيب به و هو الأشبه بظاهر الكتاب و السنة.
و قد أخبرنا الشيخ ابو الحسن بن أبي الفرج النيسابوري بها قال: أخبرنا جدي ابو محمد العباس بن محمد الطوسي، عن القاضي أبي سعيد الفرخزاذي، عن الإمام أبي إسحاق: احمد بن محمد الثعلبي- (رحمه اللّه تعالى)- قال قال المفسرون: ان أرواح الأحياء و الأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء اللّه، فإذا أرادت جميعها الرجوع الى أجسادها امسك اللّه أرواح الأموات عنده، و حبسها، و أرسل أرواح الأحياء حتى ترجع الى أجسادها.
و لفظ هذا الإمام في هذا الشأن يعطي ان قول اكثر اهل العلم بهذا الفن، و عند هذا، فيكون الفرق بين القبضتين و الوفاتين ان الروح في حالة النوم تفارق الجسد على انها تعود اليه فلا تخرج خروجا ينقطع به العلاقة بينها و بين الجسد، بل يبقى أثرها الذي هو حياة الجسد باقيا فيه فأما في حالة الموت فالروح تخرج من الجسد مفارقة له بالكلية فلا تخلف فيه شيئا من أثرها، فلذلك تذهب الحياة معها عند الموت دون النوم، ثم ان ادراك كيفية ذلك و الوقوف على حقيقته متعذر فانه من امر الروح، و قد استأثر بعلمه الجليل- تبارك و تعالى- فقال سبحانه: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».
و أما قوله- تبارك و تعالى: «قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ» فان الأضغاث جمع ضغث و هو الحزمة التي تقبض بالكلف من الحشيش. و نحوه، و الأحلام جمع حلم و هي الرؤيا مطلقا، و قد تختص بالرؤيا التي تكون من الشيطان، و لما
روى في حديث: «للرؤيا من اللّه، و الحلم من الشيطان»
فمعنى الآية، أنهم قالوا للملك: ان الذي رأيته أحلام مختلطة و لا يصح تأويلها.
و قد أفرد بعض أهل التعبير اصطلاحا لأضغاث أحلام فذكر أن من شأنها انها لا تدل على الأمور المستقبلة و انما تدل على الأمور الحاضرة و الماضية، و نجد معها ان يكون الرأي خائفا من شيء، أو راجيا لشيء، و في معنى الخوف و الرجاء الحزن على شيء و السرور بشيء، فإذا أنام من اتصف بذلك لذلك رأى في نومه ذلك الشيء بعينه أن يكون خاليا من شيء هو محتاج اليه كالجائع و العطشان يرى في نومه كأنه يأكل و يشرب او يكون ممتلئا من شيء فيرى كأنه بتجنبه كالممتلئ من الطعام يرى كأمه يقذف، و ذكر ان هذه الأمور الاربعة مهما سلم الرأي منها في رؤياه لا تكون من أضغاث الأحلام التي لا تعبير لها، و هذا الذي ذكره ضابط حسن لو سلم في طرفيه، لكن الحصر شديدة و ما ذكره فعنده من المنامات الفاسدة شاركته في الاندراج في قبيل الأضغاث.
و أما سؤاله: من أين يفهم المنام الصالح من المنام الفاسد؟ فإن للرؤيا الفاسدة أمارات يستدل بها عليها، و ما تقدم حكايته في شرح أضغاث الأحلام طرف منها.