دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٨٥ - باب ما جاء في همه بأن يكتب لأصحابه كتابا حين اشتد به الوجع يوم الخميس، ثم بدا له اعتمادا على ما وعده اللّه- تعالى- من حفظ دينه، و إظهار أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم)
(١) رفع الخلاف في الدين، فإن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه علم أنّ اللّه تعالى قد أكمل دينه بقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ..) [١١] و علم أنه لا تحدث واقعة إلى يوم القيامة، إلا و في كتاب اللّه تعالى و سنة رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيانها نصا أو دلالة.
و في نصّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على جميع ذلك في مرض موته، مع شدّة وعكه، مما يشق عليه، فرأى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الاقتصار على ما سبق بيانه نصا، أو دلالة، تخفيفا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لكي لا تزول فضيلة أهل العلم بالاجتهاد في الاستنباط، و إلحاق الفروع بالأصول، بما دل الكتاب و السنة عليه. و فيما سبق من قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) [إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران. و إذا اجتهد فأخطأ، فله أجر واحد] [١٢] دليل على أنّه و كل بيان بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء، و أنه أحرز من أصاب منهم الأجرين الموعودين، أحدهما بالاجتهاد، و الآخر بإصابة العين المطلوبة بما عليها من الدلالة في الكتاب أو السنة، و إنه أحرز من اجتهد، فأخطأ أجرا واحدا باجتهاده، و رفع اثم الخطأ عنه، و ذلك في أحكام الشريعة التي لم يأت بيانها نصا، و إنما ورد خفيا.
فأما مسائل الأصول، فقد ورد بيانها جليا، فلا عذر لمن خالف بيانه لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد، و إلحاق الفروع بالأصول بالدلالة، مع طلب التخفيف على صاحب الشريعة، و في ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الإنكار عليه فيما قال دليل واضح على استصوابه رأيه، و باللّه التوفيق.
[١١] الآية الكريمة (٣) من سورة المائدة.
[١٢] أخرجه البخاري في: ٩٦- كتاب الاعتصام بالسنة (٢١) باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو اخطأ، الحديث (٧٣٥٢) فتح الباري (١٣: ٣١٨).
و أخرجه مسلم في: ٣٠- كتاب الأقفية (٦) باب بيان اجر الحاكم إذا اجتهد، الحديث (١٥)، ص (٣: ١٣٤٢) و غيرهما.