دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٩١ - باب الرّقية
(١)
أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ قال، حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، قال: حدثنا بشر بن موسى الأسدي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال:
حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمّه أنّه مرّ بقوم و عندهم مجنون موثق في الحديد، فقال له بعضهم: أ عندك
[ ()] و قال ابن القيم في تأثير الرقي بالفاتحة ما يلي:
و في تأثير الرقي بالفاتحة و غيرها، في علاج ذوات السموم، سرا بديع، فإن ذوات السموم أثرت بكيفيات نفوسها الخبيثة كما تقدم، و سلاحها: حمتها التي تلدغ بها، و هي لا تلدغ حتى تغضب، فإذا غضبت: ثار فيها السموم، فتقذفه بآلتها. و قد جعل اللّه سبحانه لكل داء دواء، و لكل شيء ضدّا. و نفس الراقي تفعل في نفس المرقي، فيقع بين نفسيهما فعل و انفعال- كما يقع بين الداء و الدواء-: فتقوى نفس المرقي و قوته بالرقية على ذلك الداء، فيدفعه بإذن اللّه. و مدار تأثير الأدوية و الأدواء، على الفعل و الانفعال. و هو كما يقع بين الداء و الدواء الطبيعيين، يقع بين الداء و الدواء الزوجانيين، و الروحاني و الطبيعي. و في النفث و التفل استعانة بتلك الرطوبة و الهواء، و النفس المباشر للرقية و الذكر و الدعاء. فإن الرقية تخرج من قلب الراقي و فمه، فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه- من الريق و الهواء و النفس-: كانت أتم تأثيرا، و أقوى فعلا و نفوذا، و يحصل بالازدواج بينهما كيفية مؤثرة، شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية.
و بالجملة: فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثة، و تزيد بكيفية نفسه، و تستعين بالرقية و بالنفث على إزالة ذلك الأثر. و كلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى، كانت الرقية أتم، و استعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها. و في النفث سر آخر: فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة و الخبيثة. و لهذا تفعله السحرة، كما يفعله اهل الإيمان. قال تعالى: وَ مِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ. و ذلك لأن النفس تتكيف بكيفية الغضب و المحاربة، و ترسل أنفاسها سهاما لها، و تمدها بالنفث و التفل الذي معه شيء من ريق مصاحب لكيفية مؤثرة. و السواحر تستعين بالنفث استعانة بينة: و إن لم يتصل بجسم المسحور، بل ينفث على العقدة و يعقدها و يتكلم بالسحر، فيعمل ذلك في المسحور: بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة، فتقابلها الروح الزكية الطيبة، بكيفية الدفع و التكلم بالرقية، و تستعين بالنفث، فأيهما قوى كان الحكم له. و مقابلة الأرواح بعضها لبعض و محاربتها و آلتها، من جنس مقابلة الأجسام و محاربتها و آلتها سواء. بل الأصل في المحاربة و التقابل للأرواح.
و الأجسام آلتها و جندها. و لكن: من غلب عليه الحسّ لا يشعر بتأثيرات الأرواح و أفعالها و انفعالاتها لاستيلاء سلطان الحسن عليه، و بعده من عالم الأرواح و أحكامها و أفعالها.
و المقصود: أن الروح إذا كانت قوية، و تكيفت بمعاني الفاتحة، و استعانت بالنفث و التفل-:
قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة، فأزالته. و اللّه أعلم.