دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٨٢ - باب ما جاء في همه بأن يكتب لأصحابه كتابا حين اشتد به الوجع يوم الخميس، ثم بدا له اعتمادا على ما وعده اللّه- تعالى- من حفظ دينه، و إظهار أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم)
(١) تدعونني إليه [٤]. قال: و أوصاهم عند موته بثلاث فقال:
أخرجوا المشركين من جزيرة العرب [٥]، و أجيزوا الوفد [٦] بنحو مما كنت أجيزهم. قال: و سكت عن الثالثة. أو قالها، فنسيتها [٧]. هذا لفظ حديث عليّ بن المديني، و هو أتمّ زاد عليّ: قال سفيان إنما زعموا أراد أن يكتب فيها استخلاف أبي بكر.
رواه البخاري و مسلم في الصحيح، عن قتيبة، و غيره عن سفيان
[٨].
[٤] (الذي أنا فيه خير): معناه: دعوني من النزاع و اللفظ الذي شرعتم فيه، فالذي أنا فيه من مراقبة اللّه تعالى و التأهب للقائه، و الفكر في ذلك و نحوه أفضل مما أنتم فيه.
[٥] (جزيرة العرب) قال أبو عبيد: قال الأصمعي: جزيرة العرب ما بين أقصى عدن اليمن إلى ريف العراق في الطول و أما في العرض فمن جدة و ما والاها إلى أطراف الشام. و قال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، و أما في العرض فما بين رمل ببرين الى منقطع السماوة. قالوا: و سميت جزيرة لإحاطة البحار بها من نواحيها و انقطاعها عن المياه العظيمة. و أصل الجزر، في اللغة، القطع. و أضيفت إلى العرب لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام و ديارهم التي هي أوطانهم و أوطان أسلافهم.
[٦] (و أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) قال العلماء: هذا أمر منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بإجازة الوفود و ضيافتهم و إكرامهم تطييبا لنفوسهم و ترغيبا لغيرهم من المؤلفة قلوبهم و نحوهم، و إعانة لهم على سفرهم.
[٧] (و سكت عن الثالثة، أو قالها فأنسيتها) الساكت هو ابن عباس و الناسي هو سعيد بن جبير، قال المهلب: الثالثة هي تجهيز جيش أسامة رضي اللّه عنه.
[٨] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٨٣) باب مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وفاته، الحديث (٤٤٣١)، فتح الباري (٨: ١٣٢).
و أخرجه مسلم في: ٢٥- كتاب الوصية، (٥) باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصى فيه.
الحديث (٢٠)، ص (٣: ١٢٥٧).
قال النووي: (فقال ائتوني أكتب لكم كتابا ..) أعلم أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) معصوم من الكذب، و من تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته و حال مرضه. و معصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه و تبليغ ما أوجب اللّه عليه تبليغه. و ليس معصوما من الأمراض و الأسقام العارضة للأجسام و نحوها، مما لا نقص فيه لمنزلته، و لا فساد لما تمهد من شريعته. و قد سحر (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى صار يخيل إليه أنه فعل