دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٧١ - باب ما جاء في إشارته إلى عائشة رضي اللّه عنها في ابتداء مرضه بما يشبه النعيّ، ثم إخباره إياها بحضور أجله و ما في حديثها من أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) توفي شهيدا
(١)
[ ()] ذكر الرواة أن الغيرة اشتعلت يوما في صدر ام سلمة لمشهد لمست فيه شدة حب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعائشة، فأخذتها الغيرة و جعلت تسب عائشة و جعل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينهاها فتأبى و عاين النبي غليانا في صدر عائشة على هذا العدوان، فرأى من الحكمة ان ينفس عنه القصاص العادل، فأمر عائشة بسبها كما سبتها، فانطلقت ام سلمة إلى علي و فاطمة- و كانا يخصانها بعطف و رعاية و بقيت أم سلمة في حزب علي حتى ماتت- فقالت: إن عائشة سبتها، و قالت لكم، و قالت لكم، فكره ذلك علي و قال لفاطمة اذهبي إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقولي: إن عائشة قالت لنا، و قالت لنا ... فأتته فذكرت ذلك له، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): إنها حبة أبيك، و رب الكعبة.
و كان هذا الدرس لم يرق لعلي، فقال للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): أما كفاك الآن قالت لنا عائشة و قالت لنا، حتى أتتك فاطمة فقلت لها: إنها حبة أبيك و رب الكعبة.
و لعل مثل هذه السفارة قد تكرر، فحفظت عائشة ذلك كله لعلي و فاطمة. و ينبغي ألا ننسى ... أن نشير الى أمر آخر مهم كانت السيدة (عائشة) نفسها هي التي تغار. ذلك انها على شدة حظوتها عند الرسول و كثير محبته لها، لم ترزق منه الولد، و كان- عليه الصلاة و السلام- كبير الشفق و الفرح بأولاد بنته فاطمة، كثير الرعاية لهم و الخوف عليهم فتشتعل الغيرة في صدرها من الحسن و الحسين لتمتد إلى علي و فاطمة.
٢- موقف علي من عائشة في حادث الإفك.
٣- إشارات عارضة استخرجتها من مواطنها لأنها عظيمة الدلالة على رأيها (عائشة) في علي و عاطفتها نحوه.
الأولى فقد
رواها عطاء بن يسار قال جاء رجل فوقع في علي و عمار رضي اللّه عنهما عند عائشة، فقالت: اما علي فلست قائلة لك فيه شيئا و اما عمار فإني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: لا يخير بين أمرين إلا اختار ارشدهما
(مسند أحمد ٦/ ١١٣).
الثانية نبه إليها داهية بني هاشم: عبد اللّه بن عباس، روى عن عائشة أنها قالت: لما اشتد بالرسول وجعه دعا نساءه فاستأذنهن ان يمرض في بيتي، فأذنّ له، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، بين رجلين من اهله أحدهما الفضل بن العباس و رجل آخر تخط قدماه الأرض عاصبا رأسه حتى دخل بيتي» قال راوي الحديث: فحدثت بهذا الحديث عبد اللّه بن عباس فقال هل تدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا، قال: علي بن ابي طالب، و لكنها لا تقدر على أن تذكره بخير و هي تستطيع.
حتى بعد انقضاء حرب الجمل و انتهاء الأمر بينهما على خير و تبادل ثناء لم يزل ما بنفسها نحوه، فقد ذكروا انه لما انتهى إلى عائشة قتل علي قالت متمثلة.
فألقت عصاها و استقر بها النوى، كما قر عينا بالإياب المسافر فمن قتله؟ فقيل رجل من مراد فقالت:
فإن يك نائيا فلقد نعاه* غلام ليس في فيه التراب و أنا أجد هذا الخبر مفصحا عن طويتها نحو علي خير إفصاح، و شارحا ما قدمت لك من انها تخضع