دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٥٨ - باب ما جاء في تأليف القرآن
(١) الآن، و يبقى ما بقي الدهر كذلك محفوظا حتى يأتي أمر اللّه لا تجري عليه زيادة: و لا نقصان كما قال اللّه- عز و جل- لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ... [٣٠].
[ ()] الضرب الثاني: ما نسخ حكمه دون تلاوته، و هذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة، و هو على الحقيقة قليل جدا، و إن اكثر الناس من تعداد الآيات فيه، فإن المحققين منهم كالقاضي أبي بكر ابن العربي بين ذلك و أتقنه.
و الذي أقوله: إن الذي أورده المكثرون أقسام: قسم ليس من النسخ في شيء و لا من التخصيص، و لا له بهما علاقة بوجه من الوجوه، و ذلك مثل قوله تعالى: وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ، و نحو ذلك. قالوا: إنه منسوخ بآية الزكاة، و ليس كذلك بل هو باق، أمّا الأولى فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالإنفاق، و ذلك يصلح ان يفسّر بالزكاة و بالإنفاق على الأهل و بالإنفاق في الأمور المندوبة كالإعانة و الإضافة، و ليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة، و الآية الثانية يصلح حملها على الزكاة، و قد فسّرت بذلك.
و كذا قوله تعالى: أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ، قيل: إنها ممّا نسخ بآية السيف، و ليس كذلك، لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا، لا يقبل هذا الكلام النّسخ، و إن كان معناه الأمر بالتفويض و ترك المعاقبة.
و قوله في البقرة: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، عدّه، بعضهم من المنسوخ بآية السيف. و قد غلّطه ابن الحصّار بأنّ الآية حكاية عمّا أخذه على بني إسرائيل من الميثاق، فهو خبر لا نسخ فيه، و قس على ذلك.
و قسم هو من قسم المخصوص، لا من قسم المنسوخ، و قد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد، كقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ...، فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، و غير ذلك من الآيات التي خصّت باستثناء أو غاية، و قد أخطأ من أدخلها في المنسوخ.
و منه قوله: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ، قيل إنه نسخ بقوله: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، و إنما هو مخصوص به.
و قسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا، أو في أوّل الإسلام و لم ينزل في القرآن، كإبطال نكاح نساء الآباء، و مشروعية القصاص و الدّية، و حصر الطّلاق في الثلاث، و هذا إدخاله في قسم الناسخ قريب، و لكن عدم إدخاله أقرب، و هو الذي رجّحه مكّيّ و غيره، و وجّهوه بأن ذلك لوعدّ في الناسخ لعدّ جميع القرآن منه، إذ كلّه أو أكثره رافع لما كان عليه الكفّار و أهل الكتاب. قالوا: و إنما حقّ الناسخ و المنسوخ ان تكون آية نسخت آية. انتهى.
[٣٠] الآية الكريمة (٤٢) من سورة فصلت.