دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٢ - باب رؤية
(١)
[ ()] (فمنها) ان يرى ما لا يكون كالمحالات و غيرها مما يعلم انه لا يوجد بأن اللّه- سبحانه و تعالى- على صفة مستحيلة عليه، أو يرى نبيا يعمل عمل الفراعنة، أو يرى قولا لا يحل التفوه به، و من هذا القبيل ما جاء
في الحديث الصحيح من أن رجلا قال لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اني رأيت رأسي قطع و انا اتبعه» الحديث المعروف،
و هذه هي الرؤيا الشيطانية التي ورد الحديث بأنها تحزين من الشيطان أو تلعب منه بالإنسان، و من هذا النوع الاحتلام فانه من الشيطان، و لهذا لا تحتلم الأنبياء (عليهم السلام).
و من أمارات الرؤيا الفاسدة ان يكون ما رآه في النوم قد رآه في اليقظة و أدركه حسه بعهد قريب قبل نومه و صورته باقية في خياله فيراه بعينها في نومه.
(و منها) ان يرى ما قد حدثته به نفسه في اليقظة و يكون مما تفكر فيه قبل النوم بمدة قريبة: اما مما قد مضى، او من الحالي، او مما ينتظر في المستقبل.
(و منها) ان يكون ما رآه مناسبا لما هو عليه من تغيير المزاج بأن تغلب عليه الحرارة من الصفراء فيرى في نومه النيران و الشمس المحرقة، أو يغلب عليه البرودة فيرى الثلوج، او يغلب عليه الرطوبة فيرى الأمطار و المياه، او يغلب عليه اليبوسة و السوداء فيرى الأشياء المظلمة و الأهوال، فالرؤيا السوداوية، فجميع هذه الأنواع فاسدة لا تعبير لها، فإذا سلم الإنسان في رؤياه من هذه الأمور و غلب على الظن سلامة رؤياه من الفساد و وقعت العناية بتعبيرها، و إذا انضم الى ذلك كونه من اهل الصدق و الصلاح قوى الظن بكونها صادقة صالحة و
في الحديث الثابت عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا».
و من امارات صدقها من حيث الزمان كونها في الأسحار
لحديث ابي سعيد الخدري- رضي اللّه عنه- أصدق الرؤيا بالأسحار».
و كونها عند اقتراب الزمان ل
قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيما صح عنه: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب».
و اقتراب الزمان قيل: هو اعتداله وقت استواء الليل و النهار، و يزعم المعبرون ان أصدق الرؤيا ما كان ايام الربيع، و قيل: اقتراب الزمان قرب قيام الساعة، و من امارات صلاحها: ان يكون تبشير بالثواب على الطاعة، او تحذير من المعصية، ثم ان القطع على الرؤيا بكونها صالحة لا سبيل اليه انما هو غلبة الظن، و نظير ذلك من حال اليقظة الخواطر، و معلوم ان ادراك ما هو حق منها مما هو باطل وعر الطريق ان نظن إلا ظنا و اللّه أعلم.
و قال ابن عباس: ان أرواح الأحياء و الأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء اللّه منها، فإذا أراد جميعها الرجوع الى الأجساد امسك اللّه أرواح الأموات عنده، و أرسل أرواح الأحياء الى أجسادها، و في ابن آدم نفس و روح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل و التمييز، و الروح التي بها النفس و التحريك، فإذا نام العبد قبض اللّه نفسه و لمن يقبض روحه.
و قال علي- رضي اللّه عنه- فما رأته نفس النائم و هي في السماء قبل إرسالها الى جسدها فهي الرؤيا