نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٩١ - ٤١ أشاع الدمع ما كنت أكتم
فلما ترعرع، ضمّه أبوه إليه، و أشركه في أمره، و كان إذا سافر أخرجه معه، لقلّة صبره عنه.
فقال له أبوه يوما: يا بنيّ، قد كبرت سنّي، و كنت أرجوك لمثل هذا اليوم، ولي إلى عمك حاجة، فأحب أن تشخص فيها.
فقال له إياس: نعم يا أبة، و نعم عين و كرامة، فإذا شئت، أخبرني بحاجتك، فأعلمه الحاجة، فخرج متوجّها حتى أتى عمّه، فعظم سروره به، و سأله عن سبب قدومه، و ما الحاجة، فاخبره بها، و وعده بقضائها، فأقام عند عمّه أياما ينتظر فيها قضاء الحاجة.
و كان لعمّه بنت يقال لها صفوة، ذات جمال و عقل، فبينا هو ذات يوم جالس بفناء دارهم، إذ بدت له صفوة، زائرة بعض أخواتها، و هي تهادى بين جوار لها، فنظر لها أياس نظرة، أورثت قلبه حسرة، و ظل نهاره ساهيا، و بات و قد اعتكرت عليه الأحزان، ينتظر الصباح، يرجو أن يكون فيه النجاح.
فلما بدا له الصباح، خرج في طلبها ينتظر رجوعها، فلم يلبث أن بدت له، فلما نظرت إليه تنكّرت، ثم مضت فأسرعت، فمرّ يسعى خلفها، يأمل منها نظرة، فلم يصل إليها، و فاتته، فانصرف إلى منزله، و قد تضاعف عليه الحزن، و اشتد الوجد.
فلبث أياما، و هو على حاله، إلى أن أعقبه ذلك مرضا أضناه، و أنحل جسمه، و ظلّ صريعا على الفراش.
فلما طال به سقمه، و تخوّف على نفسه، بعث إلى عمه لينظر إليه، و يوصيه بما يريد، فلما رآه عمّه، و نظر إلى ما به، سبقته العبرة إشفاقا عليه.
فقال له إياس: كفّ، جعلت فداك يا عمّ، فقد أقرحت قلبي، فكفّ عن بعض بكائه، فشكا إليه إياس ما يجد من العلّة، فقال له: