نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٦٥ - ٣٠ الوزير العباس بن الحسن يستشير كبار الكتاب في اختيار من يخلف المكتفي
فيعرف رأيه، و ما عنده، ثم يجمع الآراء، و يختار منها بصائب فكره، و ثاقب نظره ما شاء، فإمّا أن يقول كل واحد رأيه، بحضرة الباقين، فربّما كان عنده، ما يسلك سبيل التقيّة في كتمانه و طيّه.
قال: صدقت و اللّه، قم معي، فأخذ يده، و دخلا، و ترك الباقين بمكانهم.
فقال له ابن الفرات: قررت رأيك على ابن المعتز؟ قال: هو أكبر من يوجد.
قال: و أيّ شيء تعمل برجل فاضل، متأدّب، قد تحنّك، و تدرّب، و عرف الأعمال، و معاملات السواد، و موقع الرغبة في الأموال، و خبر المكاييل و الأوزان، و أسعار المأكولات و المستغلاّت، و مجاري الأمور و التصرّفات، و حاسب وكلاءه على ما تولّوه، و ضايقهم، و ناقشهم، و عرف من خياناتهم و اقتطاعاتهم، أسباب الخيانة و الاقتطاع التي يدخل فيها غيرهم، فكيف يتمّ لنا معه أمر، إن حمل كبيرا على صغير، و قاس جليلا على دقيق، هذا لو كان ما بيننا و بينه عامرا، و كان صدره علينا من الغيظ خاليا، فكيف و أنت تعرف رأيه.
قال العباس: و أيّ شيء في نفسه علينا؟ قال: أنسيت أنّه منذ ثلاثين سنة، يكاتبك في حوائجه، فلا تقضيها، و يسألك في معاملاته فلا تمضيها، و عمالك يصفعون وكلاءه فلا تنكر، و يتوسّل في الوصول إليك ليلا، فلا تأذن، و كم رقعة جاءتك بنظم و نثر، فلم تعبأ بها، و لا أجبته إلى مراده فيها، و كم قد جاءني منه، ما هذا سبيله، فلم أراع فيه وصولا إلى ما يريد إيصاله إليه، و هل كان له شغل عند مقامه في منزله، و خلوته بنفسه، إلاّ معرفة أحوالنا، و المساءلة عن ضياعنا، و ارتفاعنا، و حسدنا على نعمتنا، هذا، و هو يعتقد أنّ الأمر كان له و لأبيه