نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٧٠ - ٣١ الوزير ابن الفرات يتحدّث عن تلوّن المقتدر و اختلاف رأيه
هذه الصورة، و نسألك عن أمرك فتكتمنا، و لم تجر عادتك بذلك معنا، و هل وراء هذا إلاّ القبض و الصرف؟ فقال له: اجلس يا أحمق، حتى أحدّثك السبب، فجلس.
و قال: ويحكم ، قد علمتم أنّني أشكو إليكم نقصان هذا الرجل -يعني المقتدر-دائما، و شدّة تلوّنه، و اختلاف رأيه، و أنّي أحب منذ مدّة، أن أروزه [١] ، و أعرف قدر ذلك منه، و هل هو في كل الأمور، أو في بعضها، و في صغارها أم في كبارها؟ فقلت له اليوم في أمر رجل كبير-و لم يسمّه ابن الفرات-يا أمير المؤمنين، إنّ فلانا قد فسد علينا، و ليس مثله من أخرج من أيدينا، و قد رأيت أن أقلّده كذا، و أقطعه، و أسوّغه كذا-و أكثرت-لنستخلصه بذلك، و نستصلح نيّته، و نستديم طاعته، و لم يجز أن أفعل أمرا إلاّ بعد مطالعتك، فما تأمر؟ قال: افعل.
ثم حدّثته طويلا، و خرجت من أمر إلى آخر، و قرب وقت انصرافي.
فقلت له: يا مولانا، عاودت الفكر في أمر فلان، فوجدت أنّ ما نعطيه إيّاه، ممّا استأذنت فيه، كثيرا، مؤثّرا في بيت المال، و لا نأمن أن يطمع نظراؤه في مثل ذلك، و إن أجبناهم، عظمت الكلفة، و إن منعناهم فسدوا، و قد رأيت رأيا آخر في أمره.
قال: ما هو؟ قلت: أن نقبض عليه، و نأخذ نعمه، و نخلّده الحبس أبدا.
قال: افعل.
[١] راز الرجل: اختبر ما عنده، و الكلمة لم تزل مستعملة ببغداد.