نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٨٢ - ١٣٩ و قد يجمع اللّه الشتيتين
و أبصرت الناس، و ابتدءوا ينصرفون، و انصرفت.
فإذا أنا بالزلاّل بعينه، في أوساط الناس، سائرا في نهر الأبلّة، فتأمّلته، فإذا بأصحابي على سطحه، و معهم عدة مغنّيات.
فحين رأيتهم لم أتمالك نفسي فرحا، فصرت إليهم، فحين رأوني عرفوني، و كبّروا، و أخذوني إليهم، و قالوا: ويحك، أنت حي؟و عانقوني، و فرحوا بي، و سألوني عن قصتي، فأخبرتهم بها على أتم شرح.
فقالوا: إنّا لمّا فقدناك في الحال، وقع لنا أنّك سكرت، و وقعت في الماء فغرقت، و لم نشك في هذا، فمزّقت الجارية ثيابها، و كسرت عودها، و جزّت شعرها، و بكت، و لطمت، فما منعناها من شيء من هذا.
و وردنا البصرة، فقلنا لها: ما تحبين أن نعمل لك؟فقد كنا وعدنا مولاك بوعد تمنعنا المروءة من استخدامك معه في حال فقده، أو سماع غنائك؟.
فقالت: تمكنوني من القوت اليسير، و لبس الثياب السود، و أن أعمل قبرا في بيت من الدار، و أجلس عنده، و أتوب من الغناء، فمكّناها من ذلك، فهي جالسة عنده إلى الآن.
و أخذوني معهم، فحين دخلت الدار، و رأيتها بتلك الصورة، و رأتني شهقت شهقة عظيمة، ما شككت في تلفها، و اعتنقنا، فما افترقنا، ساعة طويلة.
ثم قال لي مولاها: قد وهبتها لك.
فقلت: بل تعتقها، و تزوّجني منها، كما وعدتني، ففعل ذلك، و دفع إلينا ثيابا كثيرة، و فرشا، و قماشا، و حمل إليّ خمسمائة دينار.
و قال: هذا مقدار ما أردت أن أجريه عليك في كلّ شهر، منذ أول يوم دخولي البصرة، و قد اجتمع هذا لهذه المدة، فخذه، و الجائزة لك مستأنفة في كلّ شهر، و شيء آخر لكسوتك، و كسوة الجارية، و الشرط في المنادمة،