نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٨١ - ١٣٩ و قد يجمع اللّه الشتيتين
فقال: أ تعمل معي في كل يوم على نصف درهم، و طعامك، و كسوتك، و تضبط حساب دكاني؟ قلت: نعم.
فقال: اصعد.
فمزّقت الرقعة [١] و صعدت فجلست معه، فدبّرت أمره، و ضبطت دخله و خرجه، و كان غلمانه يسرقونه، فأدّيت إليه الأمانة.
فلما كان بعد شهر، رأى الرجل دخله زائدا، و خرجه ناقصا، فحمدني، و كنت معه إلى أن حال الحول، و قد بان له الصلاح في أمره، فدعاني إلى أن أتزوج بابنته، و يشاركني في الدكان، ففعلت.
و دخلت بزوجتي، و لزمت الدكان، و الحال تقوى، إلا أنّي في خلال ذلك، منكسر النفس، ميت النشاط، ظاهر الحزن، و كان البقال ربما شرب، فيجذبني إلى مساعدته، فأمتنع، و أظهر أن سبب ذلك حزني على موتى لي.
و استمرّت بي الحال على هذا سنين كثيرة، فلما أن كان ذات يوم، رأيت قوما يجتازون بجون و نبيذ، اجتيازا متصلا، فسألت عن ذلك، فقيل لي: اليوم يوم الشعانين، و يخرج أهل الظرف و اللعب، بالنبيذ و الطعام و القيان إلى الأبلّة، فيرون النصارى، و يشربون، و يتفرجون.
فدعتني نفسي إلى التفرّج، و قلت: لعلّي أن أقف لأصحابي على خبر، فإنّ هذا من مظانّهم.
فقلت لحميّ: أريد أن أنظر هذا المنظر.
فقال: شأنك، و أصلح لي طعاما و شرابا، و سلم إليّ غلاما و سفينة، فخرجت، و أكلت في السفينة، و بدأت أشرب حتى وصلت إلى الأبلّة،
[١] فرغنا من النقل من الفرج بعد الشدة، و عدنا إلى كتاب مصارع العشاق.