نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧٨ - ١٣٩ و قد يجمع اللّه الشتيتين
أنا مغشيا عليّ، فظنّ الملاّحون أنّي قد صرعت، فأذّن بعضهم في أذني، فأفقت بعد ساعة، و ما زالوا يدارونها، و يرفقون بها، و يسألونها الغناء، إلى أن أصلحت العود، و اندفعت تغني في الثقيل الثاني:
فوقفت أسأل بالذين تحملوا # و كأنّ قلبي بالشفار يقطّع
فدخلت دارهم أسائل عنهم # و الدار خالية المنازل بلقع
ثم شهقت، فكادت تتلف، و ارتفع لها بكاء عظيم، و صعقت أنا، فتبرّم بي الملاّحون و قالوا: كيف حملنا هذا المجنون؟و قال بعضهم: إذا بلغتم بعض القرى فأخرجوه و أريحونا منه.
فجاءني أمر أعظم من كل ما أصابني، و جاءني في نفسي التصبّر، و الحيلة في أن أعلم الجارية بمكاني بالزلاّل، لتمنع من إخراجي، فأفقت.
و بلغنا إلى قرب المدائن، فقال صاحب الزلال: اصعدوا بنا إلى الشط، فطرحوا إلى الشط، و صعدت الجماعة، و كان المساء قريبا، و صعد أكثر الملاحين يتغوّطون، و خلا الحديدي، و كان الجواري فيمن صعد إلى مستراح ضرب لهن.
فمشيت سارقا نفسي، حتى صرت خلف الستارة، فغيّرت طريقة العود عما كانت عليه إلى طريقة أخرى، و رجعت إلى موضعي من الزلال.
و فرغ القوم من حاجتهم في الشط، و رجعوا و القمر منبسط، فقالوا لها:
هو ذا ترين وقتنا، فتكلّفي الغناء، و لا تنغّصي علينا، فأخذت العود، فجسته، و شهقت، و قالت: قد و اللّه، أصلح هذا العود مولاي، على طريقة من الضرب كان بها معجبا، و كان يضربها معي، و و اللّه، إنّه معنا في الزلال.
فقال لها مولاها: و اللّه، يا هذه، لو كان معنا ما امتنعنا من عشرته، فلعلّه أن يخفّ بعض ما بك، فننتفع بغنائك، و لكنّ هذا بعيد.