نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧٧ - ١٣٩ و قد يجمع اللّه الشتيتين
خبزا و أدما، و جلست في الزلال.
فما كان إلا ساعة، حتى رأيت جاريتي بعينها، و معها جاريتان تخدمانها، فسهل عليّ ما كان بي، و ما أنا فيه، و قلت: أراها، و أسمع غناءها، من هاهنا إلى البصرة، و اعتقدت أن أجعل قصدي البصرة، و طمعت في أن أداخل مولاها، و أصير أحد ندمائه، و قلت: لا تخليني هي من المواد، فإنّي واثق بها.
فلم يكن بأسرع من أن جاء الفتى الذي اشتراها، راكبا، و معه عدة ركبان، فنزلوا في الزلال، و انحدرنا.
فلما صرنا بكلواذى، أخرج الطعام، فأكل هو [١] ، و أكل الباقون على سطح الزلال، و أطعموا الملاحين.
ثم أقبل على الجارية، فقال: إلى كم هذه المدافعة عن الغناء، و لزوم الحزن و البكاء؟ما أنت أول من فارق مولى كان له، فعلمت ما عندها من أمري.
ثم ضربت لها ستارة في جانب الزلال، و استدعي الذين في سطحه، و جلس معهم خارج الستارة، فسألت عنهم، فإذا هم إخوته و بنو عمه، فأخرجوا الصواني ففرّقها عليهم، و فيها النبيذ، و ما زالوا يرفقون بالجارية، إلى أن استدعت العود فأصلحته، و اندفعت تغني من الثقيل الأول، بإطلاق الوتر الذي في مجرى الوسطى:
بان الخليط بمن عرفت فأدلجوا # عمدا لقتلك ثم لم يتحرّجوا
و غدت كأنّ على ترائب نحرها # جمر الغضا في ساعة يتأجّج
ثم غلبها البكاء، فقطعت الغناء، و تنغّص على القوم سرورهم، و وقعت
[١] وردت القصة في مصارع العشاق مبتورة إلى هذه النقطة، و قد أكملناها من الفرج بعد الشدة ٢/١٥١.