نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧٦ - ١٣٩ و قد يجمع اللّه الشتيتين
جهنم؟و لست أوّل من افتقر بعد غنى، فلا تفعل، وثق باللّه تعالى، أين منزلك؟قم معي إليه.
فما فارقني حتى حملني إلى منزلي، و أدخلني إليه، و ما زال يؤنسني، و يعظني، إلى أن رأى مني السكون، فشكرته، و انصرف.
فكدت أقتل نفسي، لشدة وحشتي للجارية، و أظلم منزلي في وجهي، و ذكرت الدنيا و الآخرة، فخرجت من بيتي هاربا إلى بعض أصدقائي القدماء، فأخبرته خبري، فبكى رقة لي، و أعطاني خمسين درهما.
و قال: اقبل رأيي، اخرج الساعة من بغداد، و اجعل هذه نفقة، إلى حيث تجد قلبك مساعدك على قصده، و أنت من أولاد الكتاب، و خطّك جيّد، و أدبك صالح، فاقصد بعض العمال، و اطرح نفسك عليه، فأقلّ ما في الأمر، أن يصرّفك في شغل، أو يجعلك محررا بين يديه، و تعيش أنت معه، و لعل اللّه أن يصنع لك.
فعملت على هذا، و جئت إلى الكتبيّين، و قد قوي في نفسي أن أقصد واسطا، و كان لي بها أقارب، فأجعلهم ذريعة إلى التصرّف مع عاملها.
فحين جئت إلى الكتبيين، إذا بزلاّل مقدّم، و إذا خزانة كبيرة، و قماش فاخر كثير، ينقل إلى الخزانة و الزلال، فسألت عن ملاح يحملني إلى واسط، فقال لي أحد ملاّحي الزلال: نحن نحملك إلى واسط بدرهمين، و لكن هذا الزلال لرجل هاشمي من أهل البصرة، و لا يمكننا حملك معه على هذه الصورة، و لكن تلبس من ثياب الملاحين، و تجلس معنا، كأنّك واحد منّا.
فحين رأيت الزلال، و سمعت أنّه لرجل هاشمي من أهل البصرة، طمعت أن يكون مشتري جاريتي، فأتفرّج بسماعها إلى واسط، فدفعت الدرهمين إلى الملاح، و عدت فاشتريت جبّة من جباب الملاحين، و بعت الثياب التي عليّ، و أضفت ثمنها إلى ما معي من النفقة، و اشتريت