نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧٥ - ١٣٩ و قد يجمع اللّه الشتيتين
أنا في نعمة، فإن مثلي لا يشتريها إلا ذو نعمة، فإن رأيت هذا، فافعل.
فحملها إلى السوق، فكان أوّل من اعترضها، فتى هاشمي من أهل البصرة، ظريف، قد ورد بغداد للّعب و التمتّع، فاستامها، فاشتراها بألف و خمسمائة دينار عينا.
قال الرجل: فحين لفظت بالبيع، و أعطيت المال، ندمت، و اندفعت في بكاء عظيم، و حصلت الجارية في أقبح من صورتي، و جهدت في الإقالة، فلم يكن إلى ذلك سبيل.
فأخذت الدنانير في الكيس، لا أدري أين أذهب، لأنّ بيتي موحش منها، و وقع عليّ من اللطم و البكاء ما هوّسني.
فدخلت مسجدا، و أخذت أبكي، و أفكّر فيما أعمل، فغلبتني عيني، فتركت الكيس تحت رأسي، فانتبهت فزعا، فإذا شاب قد أخذ الكيس، و هو يعدو، فقمت لأعدو وراءه، فإذا رجلي مشدودة بخيط قنّب، في وتد مضروب في أرض المسجد، فما تخلّصت من ذلك، حتى غاب الرجل عن عيني.
فبكيت، و لطمت، و نالني أمر أشدّ من الأمر الأول، و قلت: فارقت من أحبّ، لأستغني بثمنه عن الصدقة، فقد صرت الآن فقيرا و مفارقا.
فجئت إلى دجلة، فلففت وجهي بإزار كان على رأسي، و لم أكن أحسن العوم، فرميت نفسي في الماء لأغرق.
فظنّ الحاضرون أنّ ذلك لغلط وقع عليّ، فطرح قوم نفوسهم خلفي، فأخرجوني، فسألوني عن أمري، فأخبرتهم، فمن بين راحم و مستجهل.
إلى أن خلا بي شيخ منهم، فأخذ يعظني، و يقول: ما هذا؟ذهب مالك، فكان ما ذا حتى تتلف نفسك؟أ و ما علمت أنّ فاعل هذا في نار