نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٦٧ - ٧١ مت عشقا
فيجتمع عليه الصبيان، فيقولون له: مت عشقا، مت عشقا.
قال: و كان يقول، إذا كثروا عليه:
أ أفشي إليكم بعض ما قد أصابني # أم الصبر أهيا بالفتى عند ما يلقى
سلام على من لا أسمّي باسمها # و لو صرت مثل الطير في غيضة ملقى
ألا أيّها الصبيان لو ذقتم الهوى # لأيقنتم أنّي أحدّثكم حقّا
أحبّكم من حبّها و أراكم # تقولون لي مت يا شجاع بها عشقا
فلم تنصفوني، لا و لا هي أنصفت # فرفقا قليلا بالفتى و يحكم رفقا
قال: فلما صح ذلك عند أهله، و علموا أنّه عاشق، جعلوا يسألونه عن أمره، فلا يخبرهم بقصّته، و لا يجيبهم.
فلما رأوا ذلك منه، حبسوه في بيت، و قيّدوه، فكان إذا جنّه الليل، هتف بصوت له حزين، يقول:
يا ليل أنت رفيقي # من بين أهلي و مالي
يا ليل أنت أنيسي # في وحشتي و احتيالي
يا ليل إنّ شكاتي # إليك طول اشتغالي
بمن برت جسم صبّ # فصار مثل الخلال
فالجسم منّي نحيل # لم يبق إلاّ خيالي
و الشوق قد شفّ جسمي # و ليس يخلق بالي
فلو رآني عدوّي # لرقّ لي و رثى لي
قال: فلم يزل تلك حاله، حتى مات.
ذم الهوى ٥٥١