نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٦٣ - ٧٠ رب لا تسلبني ديني و لا تفتنّي بعد أن هديتني
قال: نعم. كان لي أخ، و كنت أحبه الحبّ الذي لا شيء بعده، فمكثنا بذلك حينا، فلزم الحديث، و الفقه، و الأدب، و ما رأيت فتى -مع التقوى-أمزح منه.
قال: ثم تغيّر عن بعض ما كنت أعهد منه، من المزاح، و السرور، و حسن الحديث، فلما رأيت ذلك منه غمّني، و أنكرته، فخلوت به يوما، فقلت:
يا أخي، ما قصتك؟و ما حالك؟و ما الذي نزل بك؟أخبرني، فإن كان من أمر الآخرة، سررت به، و إن كان من أمر الدنيا أعنتك عليه.
قال: و اللّه يا أخي، ما هو من أمر الآخرة، و لكنّه من أمر الدنيا، و لست أبديه، حتى يبلغ الأمر آخره، و يخرج من يدي، و لا أستطيع ردّه.
قال: و لهج بهذه الأبيات:
ألا إنّما التقوى ركائب أدلجت
قال: فعظم عليّ ما نزل به، و شغل قلبي، و أخذه شبيه بالسهو، و يقول في بعض الساعات: ربّ لا تسلبني ديني، و لا تفتنّي بعد أن هديتني.
فقلت في نفسي: ما أراه إلاّ و قد غلبت عليه وسوسة من الشيطان، فهو يخاف، و مكث بذلك حينا، ما يزداد إلاّ ضنى.
و جعل أهله يسألونني، فأقول: و اللّه، ما علمي به إلاّ كعلمكم، و لقد سألته عن حاله، فما يخبرني بشيء.
و اشتدّ عليه الأمر، فسقط في الفراش، و كان الناس يعودونه.
و دخل الأطباء عليه، فبعضهم يقول: سلّ، و بعضهم يقول: غمّ، و اختلفت في أمره علينا الأقاويل، و كان لا يتكلّم بشيء أكثر من قوله:
ألا إنّما التقوى ركائب أدلجت # فأدركت الساري بليل فلم ينم
قال: و لم يزل به الأمر، حتى غلب على عقله، و ضاق به مكانه، فأدخلناه