نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١١٦ - ٥٤ كالسهم أصبح ريشه ممروطا
فقال لي: أ تروي لقيس بن ذريح [١] شيئا؟فإنّ المجنون مستهتر بشعره.
قلت: أنا أحفظ الناس لشعر قيس.
قال: فصر إلى موضع كذا و كذا، فاطلبه في تلك الفيافي، فإنّك تجده، و اعلم انّه إذا رآك، سوف ينفر منك، و يهوي إليك بحجر، فلا يهولنّك، و اقعد كأنّك لا تريده، فإذا رأيته قد سكن، فاذكر له ليلى، فإنه سيرجع إلى عقله، و يراجع صحته، و يحدّثك عن حاله، ثم أنشده من شعر قيس شيئا، فإنّه مشغوف به.
قال صباح: ففعلت الذي أوصاني به الفتى، و لم أزل أطلبه، حتى انتصف النهار، فإذا أنا برجل عريان، قد سقط شعر رأسه على حاجبيه، و إذا هو قد حظّر حظيرة من تراب، و هو قاعد في وسطها، و إلى جانبه أحجار، و هو يخطّط باصبعه في الأرض.
فلما رآني أهوى إلى حجر، و وثب ليقوم، فقعدت ناحية أرمي ببصري إلى غيره، و لا أحفل به، ثم انّه رجع إلى عبثه و تخطيطه.
قلت له: أ تعرف ليلى؟
[١] قيس بن ذريح بن سنة بن حذافة الكناني: شاعر، من العشاق المشهورين، مات شهيد حبه، أحب لبنى بنت الحباب الكعبية، و تزوجها، فغارت أمه، و أغرت به أباه، فأمره أن يطلقها، و أقسم أن لا يكنه بيت، و لا يظله سقف، إلا أن تطلق لبنى، و كان قيس عظيم البر بأبيه، فكان الأب يقف تحت الشمس، فيجيء قيس يظله بردائه حتى تميل الشمس، فينصرف إلى لبنى، يعانقها، و يبكيان، ثم خشي أن يموت أبوه، فطلق لبنى، ثم تبعتها نفسه، فمات غما (الأعلام ٦/٥٥ و فوات الوفيات ٢/٢٧٠) ، و أصبح مثلا سائرا في العشق، ذكره السيد محمد سعيد الحبوبي رضي اللّه عنه، في إحدى موشحاته، فقال:
ما لقي القيسان قيس بن ذريح # ما ألاقيه و قيس العامري
و مطلع الموشح:
يا معير الغصن قدا أهيفا # و معير الريم مرضى الحدق
هل إلى وصلك من بعد الجفا # بلغة تنعش باقي رمقي