العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٨ - لأخت الوليد بن طريف في رثائه
فإن تكن الأيام فرّقن بيننا # فقد عذرتنا في صحابته العذر
و كنت أرى هجرا فراقك ساعة # ألا لا بل الموت التفرق و الهجر
أ حقا عباد اللّه أن لست لاقيا # بريدا طوال الدهر ما لألأ العفر [١]
فتى ليس كالفتيان إلا خيارهم # من القوم جزل لا ذليل و لا غمر [٢]
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى # و إن كان فقر لم يؤد متنه الفقر [٣]
و سامي جسيمات الأمور فنالها # على العسر حتى يدرك العسرة اليسر
ترى القوم في العزاء ينتظرونه # إذا شتّ رأي القوم أو حزب الأمر [٤]
فليتك كنت الحيّ في الناس باقيا # و كنت أنا الميت الذي ضمّه القبر
فتى يشتري حسن الثناء بماله # إذا السّنة الشهباء قلّ بها القطر [٥]
كأن لم يصاحبنا بريد بغبطة # و لم تأتنا يوما بأخباره البشر
لعمري لنعم المرء عالي نعيّه # لنا ابن عرين بعد ما جنح العصر
تمضّت به الأخبار حتى تغلغلت # و لم تثنه الأطباع عنا و لا الجدر [٦]
فلما نعى الناعي بريدا تغوّلت # بي الأرض فرط الحزن و انقطع الظهر [٧]
عساكر تغشى النفس حتى كأنني # أخو نشوة دارت بهامته الخمر
إلى اللّه أشكو في بريد مصيبتي # و بثّي و أحزانا يجيش بها الصدر
و قد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى # من الأجر لي فيه و إن سرّني الأجر
و ما زال في عينيّ بعد غشاوة # و سمعي عما كنت أسمعه وقر
على أنني أقني الحياء و أتّقي # شماتة أقدام عيونهم خزر [٨]
فحيّاك عني الليل و الصبح إذ بدا # و هوج من الأرواح غدوتها شهر
سقى جدثا لو أستطيع سقيته # بأود فروّاه الرواعد و القطر [٩]
[١] لألأ العفر: حركت الظباء أذنابها.
[٢] الجزل: القوي؛ و الغمر: الذي لم يجرب الأمور.
[٣] تخرق: توسع؛ و لم يؤد: لم يثقل.
[٤] شت: تفرق.
[٥] الشهباء: السنة التي يكثر فيها الجليد.
[٦] تغلغلت: دخلت؛ و الأطباع: الخواتم.
[٧] تغولت به الأرض: ذهبت به
[٨] أقني الحياء: ألزمه.
[٩] أود: موضع.