العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٢ - الجبان و ما يذم من أخلاقه
سوء معاشرة الناس
قالوا: الناس شجرة بغي. لا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة. و رضا الناس غاية لا تدرك.
و منه الحديث المرفوع: «الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة» .
و منه قولهم: الناس يعيّرون و لا يغفرون، و اللّه يغفر و لا يعيّر.
و قال مالك بن دينار: من عرف نفسه لم يضره قول الناس فيه.
و قول أبي الدرداء: إن قارضت الناس قارضوك، و إن تركتهم لم يتركوك.
الجبان و ما يذم من أخلاقه
منه قولهم: إنّ الجبان حتفه من فوقه. و هو قول عمر بن مامة:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه # إنّ الجبان حتفه من فوقه
قال أبو عبيد: أحسبه أراد أن حذره و توقّيه ليس بدافع عنه المنيّة. و هذا غلط من أبي عبيد عندي، و المعنى فيه أنه وصف نفسه بالجبن، و أنه وجد الموت قبل يذوقه، و هذا من الجبن، ثم قال: إنّ الجبان حتفه من فوقه يريد أنه نظر إلى منيته كأنما تحوم على رأسه.
كما قال تبارك و تعالى في المنافقين إذ وصفهم بالجبن: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ اَلْعَدُوُّ [١] .
و قال جرير للأخطل يعيّره إيقاع قيس بهم:
حملت عليك رجال قيس خيلها # شعثا عوابس تحمل الأبطالا
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم # خيلا تكر عليكم و رجالا
و لو كان الأمر كما ذهب إليه أبو عبيد ما كان معناه يدخل في هذا الباب؛ لأنه باب الجبان و ما يذم من أخلاقه، و ليس الأخذ في الحذر من الجبن في شيء، لأن أخذ
[١] سورة المنافقون الآية ٤.