العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٠ - من علي إلى ابنه حسن
عمارة قلبك، و جلاء بصرك. فإنه لا عمل لمن لا نيّة له، و لا خير لمن لا خشية له، و لا جديد لمن لا خلق له.
من علي إلى ابنه حسن:
و كتب علي بن أبي طالب إلى ولده الحسن عليهما السّلام: من عليّ أمير المؤمنين الوالد الفان، المقرّ للزمان، المستسلم للحدثان [١] ، المدبر العمر، المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام [٢] ، و رهينة الأيام، و عبد الدنيا، و تاجر الغرور، و أسير المنايا، و قرين الرزايا، و صريع الشهوات، و نصب الآفات، و خليفة الأموات. أما بعد؛ يا بني، فإن فيما تفكرت فيه من إدبار الدنيا عني، و إقبال الآخرة عليّ. و جموح الدهر عليّ ما يرغّبني عن ذكر سوائي، و الاهتمام بما ورائي، غير أنه حيث تفرد بي همّ نفسي دون همّ الناس، فصدقني رأيي، و صرفني عن هواي، و صرح بي محض أمري، فأفضى بي إلى جدّ لا يزرى به لعب، و صدق لا يشوبه كذب [٣] ، و وجدتك يا بني بعضي، بل وجدتك كلّي، حتى كأن شيئا لو أصابك لأصابني، و حتى كأن الموت لو أتاك أتاني. فعند ذلك عناني من أمرك ما عناني من أمر نفسي. كتبت إليك كتابي هذا يا بني مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت، فإني موصيك بتقوى اللّه، و عمارة قلبك بذكره، و الاعتصام بحبله فإن اللّه تعالى يقول: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدََاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََاناً [٤] . و أي سبب يا بني أوثق من سبب بينك و بين اللّه تعالى إن أنت أخذت به، أحى قلبك بالموعظة، و نوّره بالحكمة و أمته بالزهد، و ذلّله بالموت و قوّه بالغنى عن الناس، و حذّره صولة الدهر؛ و تقلّب الأيام و الليالي، و اعرض عليه أخبار الماضين و سر في ديارهم و آثارهم فانظر ما فعلوا، و أين حلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور و نزلوا دار الغربة. و كأنك عن
[١] الحدثان: الليل و النهار.
[٢] غرض الاسقام: هدفها.
[٣] لا يشوبه: يخالطه.
[٤] سورة آل عمران الآية ١٠٣.