العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٣ - لعروة بن الزبير في مناجاته
ابن ذر و دعاء له:
العتبي عن أبيه قال: خرجت مع عمر بن ذرّ إلى مكة، فكان إذا لبّى لم يلبّ أحد من حسن صوته؛ فلما جاء الحرم قال يا رب، ما زلنا نهبط و هدة و نصعد أكمة، و نعلو نشرا، و يبدو لنا علم، حتى جئناك بها نقبة [١] أخفافها، دبرة [٢] ظهورها، ذابلة أسنمتها؛ و ليس أعظم المئونة علينا إتعاب أبداننا، و لكن أعظم المئونة علينا أن ترجعنا خائبين من رحمتك، يا خير من نزل به النازلون.
و كان آخر يدعو بعرفات: يا ربّ، لم أعصك إذ عصيتك جهلا مني بحقك، و لا استخفافا بعقوبتك؛ و لكن الثقة بعفوك، و الاغترار بسترك المرخى عليّ، مع الشّقوة [٣] الغالبة و القدر السابق؛ فالآن من عذابك من يستنقذني؟و بحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟فيا أسفي على الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفّين جوزوا، و للمذنبين حطوا.
لعروة بن الزبير في مناجاته:
أبو الحسن قال: كان عروة بن الزبير يقول في مناجاته بعد أن قطعت رجله و مات ابنه: كانوا أربعة-يعني بنيه-فأخذت واحدا و أبقيت ثلاثة؛ و كنّ أربعا-يعني يديه و رجليه-فأخذت واحدة و أبقيت ثلاثا؛ فلئن ابتليت لطالما عافيت، و لئن عاقبت لطالما أنعمت.
و كان داود إذا دعا في جوف الليل يقول: نامت العيون، و غارت النجوم و أنت حيّ قيوم: اغفر لي ذنبي العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا العظيم؛ إليك رفعت رأسي، نظر العبد الذليل إلى سيده الجليل.
و كان من دعاء يوسف: يا عدّتي عند كربتي، و يا صاحبي في غربتي، و يا غياثي
[١] نقبة: رقيقة.
[٢] دبرة: كثيرة الجروح.
[٣] الشّقوة: الشقاء.