العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٣ - الرشيد و بطريق هرقلة
من قتر على نفسه و ترك المال لوارثه
لمالك:
زياد عن مالك قال: من لم يكن فيه خير لنفسه لم يكن فيه خير لغيره؛ لأن نفسه أولى الأنفس كلها؛ فإذا ضيّعها فهو لما سواها أضيع؛ و من أحب نفسه حاطها و أبقى عليها و تجنب كل ما يعيبها أو ينقصها؛ فجنبها السرقة مخافة القطع، و الزنا مخافة الحدّ، و القتل خوف القصاص.
الرشيد و بطريق هرقلة:
داود بن علي الكاتب قال: لما افتتح هارون الرشيد هرقلة و أباحها ثلاثة أيام، و كان بطريقها الخارج عليه «فسيل» الرومي؛ فنظر إليه الرشيد مقبلا على جدار فيه كتاب باليونانية و هو يطيل النظر فيه. فدعا به و قال له: لم تركت النظر إلى الانتهاب و الغنيمة و أقبلت على هذا الجدار تنظر فيه؟فقال: يا أمير المؤمنين، قرأت في هذا الجدار كتابا هو أحب إليّ من هرقلة [١] و ما فيها. قال له الرشيد: ما هو؟ قال «بسم اللّه الملك الحق المبين. ابن آدم، غافص [٢] الفرصة عند إمكانها، و كل الأمور إلى وليها. و لا تحمل على قلبك همّ يوم و لم يأت بعد؛ إن يكن من أجلك يأتك اللّه برزقك فيه؛ و لا تجعل سعيك في طلب المال أسوة المغرورين، فربّ جامع لبعل حليلته، و اعلم أن تقتير المرء على نفسه هو توفير منه على غيره، فالسعيد من اتعظ بهذه الكلمات و لم يضيعها» قال له الرشيد: أعدها عليّ يا فسيل. فأعادها عليه حتى حفظها.
و قال الحسن: ابن آدم، أنت أسير في الدنيا، رضيت من لذتها بما ينقضي، و من نعيمها بما يمضي، و من ملكها بما ينفد، فلا تجمع الأوزار لنفسك، و لأهلك الأموال، فإذا متّ حملت الأوزار إلى قبرك و تركت أموالك لأهلك.
[١] هرقلة: مدينة بلاد الروم.
[٢] المغافصة: المفاجأة و الأخذ على غرة.