العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٣ - بلاء المؤمن في الدنيا
إن قوما لبسوا هذه المطارف [١] العتاق. و العمائم الرقاق، و وسعوا دورهم، و ضيقوا قبورهم، و أسمنوا دوابهم، و أهزلوا دينهم، يتكئ أحدهم على شماله، و يأكل من غير ماله فإذا أدركته الكظّة قال: يا جارية، هاتي هاضومك!ويلك!و هل تهضم إلا دينك؟
لمالك:
يحيى بن يحيى قال: جلس مالك يوما فأطرق مليّا، ثم رفع رأسه فقال: يا حسرة على الملوك!لا هم تركوا في نعيم دنياهم، و ماتوا قبل أن يموتوا حزنا على ما خلّفوا، و جزعا مما استقبلوا! و قال الحسن، و ذكر عنده الملوك: أما إنهم و إن هملجت [٢] لهم البغال، و أطافت بهم الرجال، و تعاقبت لهم الأموال، إن ذل المعصية في قلوبهم؛ أبى اللّه إلا أن يذلّ من عصاه!
لعبد اللّه بن الحسن:
الأصمعي قال: خطب عبد اللّه بن الحسن على منبر البصرة فأنشد على المنبر:
أين الملوك التي عن حظّها غفلت # حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
بلاء المؤمن في الدنيا
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «المؤمن كالخامة من الزرع: تميل بها الريح مرة كذا و مرة كذا؛ و الكافر كالأرزة المجدثة على الأرض يكون انجعافها مرة» .
و معنى هذا الحديث: تردّد الرزايا على المؤمن، و تجافيها عن الكافر ليزداد إثما.
و قال وهب بن منبه: قرأت في بعض الكتب: إني لأذود عبادي المخلصين عن نعيم
[١] المطارف: جمع المطرف، و هو رداء أو ثوب من خز مربع ذو أعلام.
[٢] هملجت: سيرت سيرا حسنا في سرعة.