العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٦ - مقام الأوزاعي بين يدي المنصور
تحملهم على طريقتك، و لكن افتح بابك، و سهّل حجابك، و انصر المظلوم، و اقمع الظالم، و خذ الفىء و الصدقات على حلها، و اقسمها بالحق و العدل على أهلها، و أنا ضامن عنهم أن يأتوك و يساعدوك على صلاح الأمة.
و جاء المؤذّنون فآذنوه بالصلاة، فصلى و عاد إلى مجلسه، و طلب الرجل فلم يوجد.
مقام الأوزاعي بين يدي المنصور
قال الأوزاعي: دخلت عليه فقال لي: ما الذي بطأ بك عني؟ قلت: و ما تريد مني يا أمير المؤمنين؟قال: أريد الاقتباس منك.
فقلت: يا أمير المؤمنين، انظر ما تقول، فإن مكحولا حدّثني عن عطية بن بسر، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال «من بلغته عن اللّه نصيحة في دينه فهي رحمة من اللّه سيقت إليه، فإن قبلها من اللّه بشكر و إلا فهي حجة من اللّه عليه ليزداد إثما و يزداد اللّه عليه غضبا و إن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا، و إن سخط فله السخط و من كرهه فقد كره اللّه عز و جل لأن اللّه هو الحق المبين» .
ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إنك تحمّلت أمانة هذه الأمة و قد عرضت على السموات و الأرض فأبين أن يحملنها و أشفقن منها. و قد جاء عن جدك عبد اللّه بن عباس في تفسير قول اللّه عز و جل: لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا [١]
قال: الصغيرة: التبسم، و الكبيرة: الضحك. فما ظنك بالقول و العمل؟فأعيذك باللّه يا أمير المؤمنين أن ترى أن قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم تنفعك مع المخالفة لأمره، فقد قال صلّى اللّه عليه و سلم: «يا صفيّة عمّة محمد، و يا فاطمة بنت محمد، استوهبا أنفسكما من اللّه، فإني لا أغني عنكما من اللّه شيئا» . و كذلك جدّك العباس، سأل إمارة من النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فقال: «أي عمّ نفس تحبيها خير لك من إمارة لا تحصيها؛ نظرا لعمه و شفقة عليه من أن يلي فيحيد عن سنّته جناح بعوضة، فلا يستطيع له نفعا و لا عنه دفعا» .
[١] سورة الكهف الآية ٤٩.