العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٤ - لشريح
الدنيا، كما يذود الراعي الشفيق إبله عن موارد الهلكة.
قال الفضيل بن عياض: أ لا ترون كيف يزوي اللّه الدنيا عمن يحب من خلقه:
يمررها عليه مرة بالجوع، و مرة بالعري، و مرة بالحاجة؛ كما تصنع الأم الشفيقة بولدها: تفطمه بالصبر مرة، و مرة بالحضض [١] ؛ و إنما يريد بذلك ما هو خير له.
و في الحديث: أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: «أخبرني جبريل عن اللّه تبارك و تعالى أنه قال: ما ابتليت عبدي ببلية في نفسه أو ماله أو ولده فتلقاها بصبر جميل إلا استحييت يوم القيامة أن أرفع له ميزانا أو أنشر له ديوانا» .
كتمان البلاء إذا نزل
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «من ابتلي ببلاء فكتمه ثلاثة أيام صبرا و احتسابا، كان له أجر شهيد» .
و سمع الفضيل بن عياض رجلا يشكو بلاء نزل به، فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك.
و قال: من شكا مصيبة نزلت به فكأنما شكا ربّه.
و قال دريد بن الصمة يرثي أخاه عبد اللّه بن الصمة:
قليل التشكّي للمصائب ذاكرا # من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
و قال تأبط شرا:
قليل التشكّي للملمّ يصيبه # كثير النّوى شتى الهوى و المسالك [٢]
لشريح:
الشيباني قال: أخبرني صديق لي قال: سمعني شريح و أنا أشتكي بعض ما غمّني إلى صديق، فأخذ بيدي و قال: يا بن أخي. إياك و الشكوى إلى غير اللّه؛ فإنه لا يخلو
[١] الحضض: عصارة نبات مر.
[٢] الملمّ: الزائر.