العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢١ - لمتمم بن نويرة
و ما كان وقّافا إذا الخيل أحجمت # و لا طالبا من خشية الموت مفزعا
و لا بكهام سيفه عن عدوّه # إذا هو لاقى حاسرا أو مقنّعا [١]
أبى الصبر آيات أراها و إنني # أرى كلّ حبل بعد حبلك أقطعا
و إني متى ما أدع باسمك لم تجب # و كنت حريّا أن تجيب و تسمعا
تحيته مني و إن كان نائيا # و أمسى ترابا فوقه الأرض بلقعا
فإن تكن الأيام فرّقن بيننا # فقد بان محمودا أخى حين ودّعا
و عشنا بخير في الحياة و قبلنا # أصاب المنايا رهط كسرى و تبّعا
و كنا كندمانى جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
فلما تفرقنا كأنّي و مالكا # لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فما شارف حنّت حنينا و رجّعت # أنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا [٢]
و لا وجد أظآر ثلاث روائم # و أين مجرّا من حوار و مصرعا [٣]
بأوجد مني يوم قام بمالك # مناد فصيح بالفراق فأسمعا
سقى اللّه أرضا حلّها قبر مالك # ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا [٤]
قيل لعمرو بن بحر الجاحظ: إن الأصمعي كان يسمي هذا الشعر أم المراثي.
فقال: لم يسمع الأصمعي:
أيّ القلوب عليكم ليس ينصدع # و أيّ نوم عليكم ليس يمتنع
و قال الأصمعي: لم يبتدئ أحد بمرثية بأحسن من ابتداء أوس بن حجر:
أيتها النفس أجملي جزعا # إنّ الذي تحذرين قد وقعا
و بعدها قول زميل:
أجارتنا من يجتمع يتفرّق # و من يك رهنا للحوادث يغلق
[١] الكهام: الكليل.
[٢] الشارف: المسنة من الإبل؛ و البرك: الألف من الجمال.
[٣] الأظآر: النوق تعطف على حوار واحد؛ و الروائم: النوق تعطف على ولدها.
[٤] المدجنات: السحب الكثيفة.