العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٧ - عمر مع أبي بكر في احتضاره
صلّى اللّه عليه و سلم سألتها؛ فقالت: أسّر إليّ فأخبرني أنه ميت فبكيت؛ ثم أسّر إليّ أني أول أهل بيته لحوقا به فضحكت.
عائشة مع أبيها في احتضاره:
القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها أنها دخلت على أبيها في مرضه الذي مات فيه، فقالت له: يا أبت، اعهد إلي خاصتك، و أنفذ رأيك في عامتك، و انقل من دار جهازك إلى دار مقامك؛ و إنك محضور و متصل بقلبي لوعتك، و أرى تخاذل أطرافك، و انتقاع لونك؛ فإلى اللّه تعزيتي عنك، و لديه ثواب حزني عليك، أرقأ فلا أرقأ و أشكو فلا أشكى.
فرفع رأسه فقال: يا بنية، هذا يوم يحلّ فيه عن غطائي؛ و أعاين جزائي، إن فرحا فدائم، و إن نوحا فمقيم؛ إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم، حين كان النكوص إضاعة، و الحذر تفريطا؛ فشهيدي اللّه ما كان بقلبي إلا إياه؛ فتبلّغت بصحفتهم، و تعللت بدرّة لقحتهم، و أقمت صلاي [١] معهم، لا مختالا أشرا، و لا مكابرا بطرا، لم أعد سدّا لجوعة، و تورية لعورة، طوى ممغص تهفو له الأحشاء و تجب له الأمعاء؛ و اضطررت إلى ذلك اضطرار الجرض [٢] إلى المعيف [٣] الآجن، فإذا أنا متّ فردّي إليهم صحفتهم و لقحتهم و عبدهم و رحاهم، و دثارة ما فوقي اتّقيت بها أذى البرد، و دثارة ما تحتى اتقيت بها أذى الأرض، كان حشوهما قطع السعف.
عمر مع أبي بكر في احتضاره:
و دخل عليه عمر فقال: يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، لقد كلفت القوم بعدك تعبا، و وليتهم نصبا. فهيهات من شقّ غبارك!و كيف باللحاق بك.
و قالت عائشة و أبوها يغمّض:
[١] الصلا: وسط الظهر.
[٢] الجرض: الذي يبتلع ريقه بجهد.
[٣] المعيف: المكروه.