العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠٩ - من رثى ولده
لم نرزه لمّا رزينا وحده # و إن استقلّ به المنون وحيدا [١]
لكن رزينا القاسم بن محمد # في فضله و الأسود بن يزيدا
و ابن المبارك في الرّقائق مخبرا # و ابن المسيّب في الحديث سعيدا
و الأخفشين فصاحة و بلاغة # و الأعشيين رواية و نشيدا
كان الوصيّ إذا أردت وصيّة # و المستفاد إذا طلبت مفيدا
ولّى حفيظا في الأذمّة حافظا # و مضى ودودا في الورى مودودا [٢]
ما كان مثلي في الرّزيّة والد # ظفرت يداه بمثله مولودا
حتى إذا بذّ السّوابق في العلا # و العلم ضمّن شلوه ملحودا
يا من يفنّد في البكاء مولّها # ما كان يسمع في البكا تفنيدا [٣]
تأبى القلوب المستكينة للأسى # من أن تكون حجارة و حديدا
إنّ الذي باد السّرور بموته # ما كان حزني بعده ليبيدا
ألآن لما أن حويت مآثرا # أعيت عدوّا في الورى و حسودا
و رأيت فيك من الصّلاح شمائلا # و من السّماح دلائلا و شهودا
أبكي عليك إذا الحمامة طرّبت # وجه الصّباح و غرّدت تغريدا
لو لا الحياء و أن أزنّ ببدعة # مما يعدّده الورى تعديدا [٤]
لجعلت يومك في المنائح مأتما # و جعلت يومك في الموالد عيدا
و قلت فيه أيضا:
لا بيت يسكن إلاّ فارق السّكنا # و لا امتلا فرحا إلاّ امتلا حزنا
لهفي على ميّت مات السرور به # لو كان حيّا لأحيا الدين و السّننا
واها عليك أبا بكر مردّدة # لو سكّنت و لها أو فتّرت شجنا
إذا ذكرتك يوما قلت وا حزنا # و ما يردّ عليك القول وا حزنا
يا سيّدي و مراح الروح في جسدي # هلاّ دنا الموت منّي حين منك دنا!
[١] رزأه: أصابه برزء، و الرزء: المصيبة.
[٢] الأذمة: جمع ذمام، و هو العهد و الأمان و الكفالة.
[٣] يفند في البكاء: يعكف عليه.
[٤] أزن: اتهم.