العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٥ - القناعة
من تشكو إليه أن يكون صديقا أو عدوا؛ فأما الصديق فتحزنه و لا ينفعك، و أما العدو فيشمت بك. انظر إلى عيني هذه-و أشار إلى إحدى عينيه-فو اللّه ما أبصرت بها شخصا و لا طريقا منذ خمس عشرة سنة، و ما أخبرت بها أحدا إلى هذه الغاية.
أ ما سمعت قول العبد الصالح: إنما أشكو بثّي و حزني إلى اللّه!فاجعله مشكاك و محزنك عند كل نائبة تنوبك؛ فإنه أكرم مسئول؛ و أقرب مدعو.
بين عقيل بن أبي طالب و أخيه علي:
كتب عقيل إلى أخيه عليّ بن أبي طالب رضوان اللّه عليهما، يسأله عن حاله؛ فكتب إليه:
فأن تسألنّي كيف أنت فإنني # جليد على ريب الزمان صليب
عزيز عليّ أن ترى بي كآبة # فيفرح واش أو يساء حبيب [١]
و كان ابن شبرمة إذا نزلت به نازلة قال: سحابة صيف عن قليل تقشّع.
و كان يقال: أربع من كنوز الجنة: كتمان المصيبة، و كتمان الصدقة، و كتمان الفاقة، و كتمان الوجع.
القناعة
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «من أصبح و أمسى آمنا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه؛ كان كمن حيزت له الدنيا بحذافيرها» .
السّرب: المسلك؛ يقال: فلان واسع السرب: يعني المسلك و المذهب.
و قال قيس بن عاصم: يا بني، عليكم بحفظ المال، فإنه منبهة الكريم، و يستغنى به عن اللئيم؛ و إياكم و المسألة فإنها آخر كسب الرجل.
و قال سعد بن أبي وقاص لابنه: يا بني: إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإنها مال لا ينفد؛ و إياك و الطمع فإنه فقر حاضر؛ و عليك باليأس، فإنك لم تيأس من
[١] الواشي: النمام.