العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٦ - القناعة
شيء قط إلا أغناك اللّه عنه.
و قالوا: الغنيّ من استغنى باللّه، و الفقير من افتقر إلى الناس.
و قالوا: لا غنى إلا غنى النفس.
و قيل لأبي حازم: ما مالك؟قال: مالان: الغنى بما في يدي عن الناس، و اليأس عما في أيدي الناس! و قيل لآخر: ما مالك؟فقال: التجمل في الظاهر، و القصد في الباطن.
و قال آخر:
لا بدّ ممّا ليس منه بدّ # اليأس حرّ و الرجاء عبد
و ليس يفني الكدّ إلاّ الجدّ
و قالوا: ثمرة القناعة الراحة، و ثمرة الحرص التعب.
و قال البحتري:
إذا ما كان عندي قوت يوم # طرحت الهمّ عنّي يا سعيد
و لم تخطر هموم غد ببالي # لأنّ غدا له رزق جديد
و قال عروة بن أذينة:
لقد علمت و خير القول أصدقه # بأنّ رزقي و إن لم يأت يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلّبه # و لو قعدت أتاني لا يعنّيني [١]
وفد عروة بن أذينة على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فقال له عبد الملك: أ لست القائل يا عروة:
أسعى له فيعنّيني تطلبه
فما أراك إلا قد سعيت له. فخرج عنه عروة و شخص من فوره ذلك إلى المدينة.
فافتقده عبد الملك، فقيل له: توجّه إلى المدينة. فبعث إليه بألف دينار فلما أتاه
[١] يعنيني: يكلفني ما يشق عليّ.