العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٤ - مقام رجل من العبّاد عند المنصور
قال: فأنت آمن على نفسك فقل. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه و بين ما ظهر في الأرض من الفساد و البغي لأنت. فقال: فكيف ذلك ويحك!يدخلني الطمع و الصفراء و البيضاء في قبضتي، و الحلو و الحامض عندي؟قال:
و هل دخل أحد من الطمع ما دخلك؟إن اللّه استرعاك أمر عباده و أموالهم، فأغفلت أمورهم، و اتممت بجمع أموالهم، و جعلت بينك و بينهم حجابا من الجصّ و الآجرّ، و أبوابا من الحديد، و حرّاسا معهم السلاح، ثم سجنت نفسك عنهم فيها، و بعثت عمّالك في جباية الأموال و جمعها و قوّيتهم بالرجال و السلاح و الكراع [١] ، و أمرت ألا يدخل عليك أحد من الرجال إلاّ فلان و فلان، نفرا سمّيتهم، و لم تأمر بإيصال المظلوم، و لا الملهوف، و لا الجائع العاري، و لا الضعيف الفقير إليك، و لا أحد إلا و له في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك و آثرتهم على رعيتك و أمرت أن لا يحجبوا دونك، تجبي الأموال و تجمعها. قالوا: هذا قد خان اللّه فما لنا لا نخونه. فائتمروا ألاّ يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، و لا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا خوّنوه عندك و نفوه، حتى تسقط منزلته، فلما انتشر ذلك عنك و عنهم، أعظمهم الناس و هابوهم و صانعوهم، فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا و الأموال، ليقووا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو المقدرة و الثروة من رعيتك، لينالوا ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد اللّه بالطمع ظلما و بغيا و فسادا، و صار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك و أنت غافل، فإن جاء متظلّم حيل بينك و بينه، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك، و أوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك المتظلم فبلغ بطانتك [٢] خبره، سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك، فلا يزال المظلوم يختلف إليه و يلوذ به [٣] ، و يشكو و يستغيث، و هو يدفعه، فإذا أجهد و أحرج ثم ظهرت صرخ بين يديك، فيضرب ضربا مبرحا يكون نكالا [٤] لغيره، و أنت تنظر فما
[١] الكراع: الخيل.
[٢] بطانتك: المقرّبين إليك.
[٣] يلوذ: يحتمي.
[٤] نكالا: عقابا.