العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٥ - مقام رجل من العبّاد عند المنصور
تنكر!فما بقاء الإسلام على هذا؟و قد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين فقدمتها مرة و قد أصيب ملكهم بسمعه، فبكى بكاء شديدا، فحثه جلساؤه على الصبر فقال: أما إني لست أبكي للبلية النازلة، و لكني أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته، ثم قال: أما إذ قد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلاّ متظلّم. ثم كان يركب الفيل طرفي النهار و ينظر هل يرى مظلوما، فهذا يا أمير المؤمنين مشرك باللّه، بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ، و أنت مؤمن باللّه من أهل بيت نبيّه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك!فإن كنت إنما تجمع المال لولدك، فقد أراك اللّه عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه ما له على الأرض مال، و ما من مال إلا و دونه يد شحيحة تحويه، فما يزال اللّه يلطف بذلك الطفل، حتى تعظم رغبة الناس إليه. و لست الذي تعطي، بل اللّه تعالى يعطي من يشاء ما يشاء. فإن قلت إنما تجمع المال لتشديد السلطان، فقد أراك اللّه عبرا في بني أمية، ما أغنى عنهم جمعهم من الذهب و ما أعدوا من الرجال و السلاح و الكراع حين أراد اللّه بهم ما أراد. و إن قلت إنما تجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها. فو اللّه ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة ما تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين. هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل. فقال المنصور: لا. فقال: فكيف تصنع بالملك الذي خوّلك ملك الدنيا، و هو لا يعاقب من عصاه بالقتل و لكن بالخلود في العذاب الأليم. قد رأى ما عقد [١] عليه قلبك، و عملته جوارحك [٢] ، و نظر إليه بصرك، و اجترحته يداك، و مشت إليه رجلاك. هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك و دعاك إلى الحساب؟قال: فبكى المنصور، ثم قال:
ليتني لم أخلق!ويحك كيف أحتال لنفسي؟فقال يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلاما يفزعون [٣] إليهم في دينهم، و يرضون بهم في دنياهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، و شاورهم في أمرك يسدّدوك. قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني. قال: خافوك أن
[١] عقد: عزم و أضمر.
[٢] الجوارح: اليدين و أعضاء الجسم.
[٣] يفزعون: يلجئون.