العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٨ - جمرات العرب
لا يموت؛ فاستمسكوا بدينكم، فمن ذهب له في هذه الرّدّة دينار أو درهم أو بعير أو شاة فله عليّ مثلاه!فما خالفه منهم رجل.
أما أحضر الناس جوابا فصعصعة بن صوحان، دخل على معاوية في وفد أهل العراق، فقال معاوية: مرحبا بكم يأهل العراق!قدمتم أرض اللّه المقدسة؛ منها المنشر و إليها المحشر، قدمتم على خير أمير، يبرّ كبيركم و يرحم صغيركم؛ و لو أن الناس كلها ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء!فأشار الناس إلى صعصعة، فقام فحمد اللّه و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و سلم، ثم قال: أما قولك يا معاوية إنا قدمنا الأرض المقدّسة: فلعمري ما الأرض تقدس الناس، و لا يقدّس الناس إلا أعمالهم؛ و أما قولك منها المنشر و إليها لمحشر، فلعمري ما ينفع قربها و لا يضر بعدها مؤمنا؛ و أما قولك لو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء، فقد ولدهم خير من أبي سفيان: آدم صلوات اللّه عليه؛ فمنهم الحليم و السفيه، و الجاهل و العالم.
و أما أحلم الناس[فالأشجّ العبديّ]، فإن وفد عبد القيس قدموا على النبي صلّى اللّه عليه و سلم بصدقاتهم و فيهم الأشج، ففرّقه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و هو أول عطاء فرقه في أصحابه؛ ثم قال: يا أشج، ادن مني. فدنا منه، فقال: إن فيك خلتين يحبهما اللّه: الأناة، و الحلم! و كفى برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم شاهدا؛ و يقال: إنّ الأشج لم يغضب قط.
جمرات العرب
و هم بنو نمير بن عامر بن صعصعة؛ و بنو الحارث بن كعب بن علة بن جلد؛ و بنو ضبة بن أدّ بن طابخة؛ و بنو عبس بن بغيض. و إنما قيل لهذه القبائل جمرات لأنها تجمعت في أنفسها و لم يدخلوا معهم غيرهم. و التجمير: التجميع؛ و منه قيل:
جمرة العقبة، لاجتماع الحصى فيها؛ و منه قيل: لا تجمّروا المسلمين فتفتنوهم و تفتنوا نساءهم. يعني: لا تجمعوهم في المغازي.
و أبو عبيدة قال في كتاب التاج أطفئت جمرتان من جمرات العرب: بنو ضبة لأنها