العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤٢ - من شريح إلى صديق له فر من الطاعون
فذاك آخر عهد من أخيك إذا # ما ضمّنت شلوه اللحد المحافير
قولهم في الطاعون
عمر بن الخطاب و ابن الجراح في الطاعون:
قال أبو عبيدة بن الجرّاح لعمر بن الخطاب رضوان اللّه عليه لما بلغه أن الطاعون وقع في الشام فانصرف بالناس: أ فرارا من قدر اللّه يا أمير المؤمنين؟قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!نعم نفرّ من قدر اللّه إلى قدر اللّه؛ أ رأيت لو أن لك إبلا هبطت بها واديا له جهتان إحداهما خصيبة و الأخرى جديبة، أ ليس لو رعيت في الخصيبة رعيتها بقدر اللّه، و لو رعيت الجديبة رعيتها بقدر اللّه؟و كان عبد الرحمن بن عوف غائبا فأقبل، فقال: عندي في هذا علم سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، قال: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، و إذا وقع في أرض و أنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» .
فحمد اللّه عمر، ثم انصرف بالناس.
للوليد بن عبد الملك في مثله:
و قيل للوليد بن عبد الملك حين فرّ من الطاعون: يا أمير المؤمنين، إن اللّه تعالى بقول: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْفِرََارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ اَلْمَوْتِ أَوِ اَلْقَتْلِ وَ إِذاً لاََ تُمَتَّعُونَ إِلاََّ قَلِيلاً [١] . قال: ذلك القليل نطلب.
من شريح إلى صديق له فر من الطاعون:
العتبي قال: وقع الطاعون بالكوفة، فخرج صديق لشريح إلى النّجف، فكتب إليه شريح: أما بعد؛ فإن الموضع الذي هربت منه لم يسق إلى أجلك تمامه، و لم يسلبه أيامه؛ و إن الموضع الذي صرت إليه لبعين من لا يعجزه طلب، و لا يفوته هرب؛ و إنا و إياك على بساط ملك، و النجف من ذي قدرة لقريب.
[١] سورة الأحزاب الآية ١٦.